شريف حربي يكتب:
يبدو الاقتصاد، في شكله الأوسع، أشبه ببحر لا يهدء أحيان هاد يسمح للسفن بالإبحار بثقة، وأحيان أخرى تتلاطم أمواجه وتشتد رياحه فتتغير فتعاد حسابات الربح والخسارة.
وفي هذا البحر، لا تبدو الاستثمارات سوى سفن مختلفة الأحجام والقدرات، بعضها يبحر منفرد، وبعضها يختار أن يكن أسطول كامل يواجه المجهول معا، ومن هنا يظهر مفهوم الاستثمار الجماعي باعتباره أحد أكثر نماذج الإبحار الاقتصادي قدرة على توزيع الأعباء ومشاركة المخاطر.
فالاستثمار الجماعي لا يقوم على فكرة أن يمتلك شخص واحد السفينة ويتحمل وحده العواصف، بل يقوم على تجمع مجموعة من المستثمرين داخل وعاء استثماري واحد، تتوزع فيه الموارد والقرارات والمخاطر والعوائد.
في الايام الهادئة للبحر، تبدو الرحلة سهلة، الرياح مواتية، والعوائد تتحقق، والمؤشرات تتحرك في اتجاه مطمئن ولكن الاقتصاد بطبيعته لا يعرف الاستقرار الدائم. هناك دائما موجات مفاجئة: تضخم، تقلبات أسعار، اضطرابات جيوسياسية، تغيرات في سلوك الأسواق، او حتى أزمات عالمية قادرة على تحويل المياه الهادئة إلى بحر مضطرب خلال أيام.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يحدث عندما يهيج البحر؟
السفن الفردية غالبًا تكون أكثر عرضة للاهتزاز وربما الغرق إذا كانت حمولتها أكبر من قدرتها على التحمل أو إذا افتقدت أدوات الملاحة. أما السفن التي تتحرك ضمن أسطول منظم، فإن فرصها في عبور العاصفة تصبح أعلى، ليس لأنها محصنة ضد المخاطر، ولكن لأنها توزع أثر الصدمات وتستفيد من تنوع المسارات.
في الحقيقية، أن اول ما يحتاجه المستثمرون عند ارتفاع الأمواج هو عدم اتخاذ قرارات تحت ضغط الخوف. ففي لحظات الاضطراب الاقتصادي، تصبح القرارات الانفعالية أشبه بإلقاء جزء من حمولة السفينة في البحر دون تقدير للعواقب. البيع المتسرع أو الانسحاب الكامل من السوق قد يحول الخسارة المؤقتة إلى خسارة مؤكدة.
ولكن تبقى الحقيقة الأهم أن البحر لا يظل هائج إلى الأبد، فالتاريخ الاقتصادي يوضح أن الأسواق تمر بدورات من الصعود والهبوط، وأن كثير من الفرص الكبرى ولدت أصلا في فترات الاضطراب. الفرق بين سفينة تصل إلى الميناء وسفينة تتعطل في منتصف الرحلة ليس غياب العاصفة، بل القدرة على الاستعداد لها.
وفي النهاية، يبقى الاقتصاد بحر واسع لا يمنح الأمان الدائم لأحد، لكن السفن التي تعرف متى تبحر، ومتى تخفض أشرعتها، ومتى تتشارك الرحلة مع غيرها، تكون الأقرب للوصول.