كتب// حامد محمد
هناك بعض القيم التي كانت في الماضي تعتبر من الأساسيات التي تربينا عليها، قيم وعادات مجتمعية تعبر عن المعني الحقيقي لحسن الأخلاق والتربية، ولكن في عصر الحداثة والتمدن وتسارع وتيرة الحياة بشكل مرعب أصبحت هذه القيم والعادات تتعرض لاختبار حقيقي داخل مجتمعاتنا ، ولعل أبرزها هي احترام كبار السن والتسامح فيما بيننا.
فلم يعد الأمر مجرد ملاحظات فردية عابرة لكنه مع شديد الأسف أصبح ظاهرة تتفشى داخل مجتمعاتنا، ومن أبرز أسباب انحدار قيم احترام كبار السن والتسامح ، هو تغير نمط الأسرة ،فالأسرة هي نواة المجتمع وكان قديما هناك يوم تجتمع فيه الأسرة الجد والأولاد والأحفاد والأقارب، فكان يحدث اتصال مباشر بين الأجيال وبالتالي كان هناك ترابط قوي بين الشباب والكبار فكانوا يستمعون للكبار ويتعلمون منهم القيم الأخلاقية والعادات الحسنة، لكن اليوم وفي ظل الانفصال الكبير في الأسرة ، بدأ الاحتكاك بين الشباب وكبار السن يقل تدريجيا حتى كاد يختفي تماما وبالتالي ضعف التواصل المباشر بين الأجيال.
وأيضا وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا والتي عمّقت العزلة داخل البيت الواحد.
فبدلًا من الحوار المباشر، أصبح كل فرد يعيش داخل “فقاعته الرقمية”، ما أضعف مهارات التواصل والتعاطف، وأثر بشكل غير مباشر على قيمة التسامح وقبول الآخر.
ولا يمكن إغفال دور التنشئة الاجتماعية والتعليم، حيث تراجع التركيز على التربية الأخلاقية لصالح التحصيل الأكاديمي، ومع غياب برامج واضحة لغرس قيم الاحترام والتسامح داخل المدارس، نشأت فجوة بين المعرفة والسلوك.
أما عن العلاج، فهو يبدأ من إعادة بناء الوعي المجتمعي بأهمية هذه القيم بوصفها أساس الاستقرار وليس مجرد فضائل أخلاقية اختيارية.
يجب أن تعود الأسرة إلى دورها الأول في ترسيخ احترام الكبير من خلال الممارسة اليومية، لا التوجيه النظري فقط.
كما ينبغي للمؤسسات التعليمية أن تدمج التربية القيمية في المناهج والأنشطة، عبر برامج تفاعلية تربط الطلاب بكبار السن وتُبرز تجاربهم الحياتية، ويمكن للإعلام كذلك أن يلعب دورًا محوريًا من خلال تقديم نماذج إيجابية تعزز ثقافة الحوار والتسامح بدلًا من خطاب الصراع والانقسام.
إن إعادة إحياء هذه القيم لا تتطلب خططًا معقدة بقدر ما تحتاج إلى وعي مجتمعي شامل، يبدأ ذلك من الأسرة، ويمتد إلى المدرسة، ويترسخ عبر الإعلام والخطاب الثقافي والديني، كما أن تقديم نماذج إيجابية في المجتمع يمكن أن يسهم في ترسيخ هذه القيم لدى الأجيال الجديدة.
وفي النهاية، فإن استعادة هذه القيم ليست ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة لبقاء التماسك المجتمعي. فالمجتمع الذي يفقد احترامه لكبار السن ويضعف فيه التسامح، هو مجتمع يقترب تدريجيًا من التفكك، مهما بدا متقدمًا في مظاهره الخارجية.