بقلم: أميرة خطاب
يعتقد كثير من الناس أن الاقتصاد يعني الأموال فقط، وأن امتلاك المال هو المعيار الوحيد لقوة الدول أو الأفراد، لكن الحقيقة أن الأموال ليست سوى وسيلة للتبادل، أما الاقتصاد الحقيقي فيقوم على الإنتاج والعمل والخدمات والأنشطة التي تخلق قيمة حقيقية للمجتمع.
فلو امتلكت دولة مليارات الجنيهات أو الدولارات دون مصانع أو مزارع أو شركات أو عمال أو علماء، فلن تتمكن من توفير احتياجات شعبها أو تحقيق نمو مستدام، وفي المقابل، قد تنجح دولة أخرى بموارد مالية محدودة، لكنها تمتلك قوة إنتاجية عالية، فتزداد ثروتها عامًا بعد عام.
المال في حد ذاته لا يصنع الغذاء، ولا يبني المنازل، ولا يعالج المرضى، ولا يبتكر التكنولوجيا، من يصنع كل ذلك هو الإنسان بعلمه وجهده، ومن خلال المصانع والمزارع وورش العمل والشركات والمستشفيات والمدارس ومراكز البحث العلمي. لذلك فإن القيمة الاقتصادية الحقيقية تنشأ عندما يتحول الجهد إلى منتج أو خدمة يحتاج إليها الناس.
ولهذا السبب، تقاس قوة الاقتصادات الحديثة بحجم إنتاجها، وقدرتها على التصدير، ومستوى الابتكار، وكفاءة العمالة، وليس فقط بحجم الأموال المتداولة داخلها، فالاقتصاد الذي يعتمد على الإنتاج يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأنه يمتلك مصادر حقيقية لتوليد الدخل والثروة.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن تداول الأموال وحده يزيد ثراء المجتمع، فانتقال المال من شخص إلى آخر لا يضيف قيمة جديدة إلا إذا ارتبط بإنتاج سلعة أو تقديم خدمة أو تنفيذ مشروع يخلق فرص عمل ويزيد الناتج الاقتصادي.
كما أن كل مهنة نافعة تمثل جزءًا من الاقتصاد الحقيقي؛ فالمزارع الذي يزرع الأرض، والعامل الذي يصنع، والطبيب الذي يعالج، والمعلم الذي يبني العقول، والمهندس الذي يخطط، والمبرمج الذي يطور التطبيقات، جميعهم يضيفون قيمة حقيقية تسهم في نمو الاقتصاد وتحسين مستوى المعيشة.
ولا يقتصر الإنتاج على السلع المادية فقط، بل يشمل أيضًا الخدمات التي يحتاج إليها المجتمع، مثل التعليم والصحة والنقل والاتصالات والسياحة والخدمات الرقمية، فكل نشاط يوفر منفعة حقيقية للناس ويولد قيمة مضافة يعد جزءًا من الاقتصاد المنتج.
إن بناء اقتصاد قوي لا يبدأ بطباعة المزيد من الأموال، بل يبدأ بتشجيع العمل والإبداع والاستثمار والإنتاج، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتنمية المهارات، وتحفيز الابتكار، وخلق بيئة تساعد على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وريادة الأعمال.
في النهاية، يبقى المال أداة مهمة لتسهيل المعاملات، لكنه ليس الثروة الحقيقية في حد ذاته، فالثروة الحقيقية هي ما ينتجه الإنسان بعلمه وجهده، وما يقدمه من سلع وخدمات وأنشطة نافعة تعود بالنفع على المجتمع، وعندما يدرك الأفراد والدول هذه الحقيقة، يصبح الطريق إلى التنمية أكثر وضوحًا واستدامة.