في زحام الحياة، وبين ضجيج التكنولوجيا، وتسارع الأحداث، أصبح الإنسان يعيش في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، كثرت فيه الخلافات، وتراجعت فيه قيم البساطة، حتى أصبح البعض يشعر بالغربة وهو بين الناس، وفي خضم هذا الواقع، تظل هناك أمنية تراود الجميع أن نعود إلى الفطرة.
الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها، فطرة الخير، والمحبة، والرحمة، والصدق، واحترام الآخر، فطرة القلب النقي الذي لا يحمل حقدًا، ولا يعرف الكراهية، ولا يبحث عن إيذاء غيره، إنها العودة إلى الإنسان الحقيقي قبل أن تلوثه المصالح، وقبل أن تسرقه المظاهر، وقبل أن تفرض عليه الحياة أقنعة لا تشبهه.
نتمنى عالمًا يتعامل فيه الناس بالقلوب قبل الكلمات، بالاحترام قبل الاختلاف، وبالحب قبل المصالح. عالمًا يبتسم فيه الغريب للغريب، ويساعد فيه القوي الضعيف، ويعتذر المخطئ دون كبرياء، ويسامح المجروح دون انتظار مقابل.
العودة إلى الفطرة ليست حلمًا مستحيلًا، بل تبدأ من تصرف بسيط، من كلمة طيبة قد تغيّر يوم شخص، ومن ابتسامة صادقة، ومن احترام دور الآخرين، ومن الاستماع دون مقاطعة، ومن تقدير اختلاف الناس بدلًا من مهاجمتهم.
لقد أصبح الإزعاج سمة في كثير من تفاصيل حياتنا، ضجيج في الشوارع، وصخب على مواقع التواصل الاجتماعي، ونقاشات مليئة بالغضب، وأحكام سريعة على الآخرين، حتى الهدوء أصبح رفاهية يبحث عنها الجميع، بينما الفطرة تدعونا إلى السكينة، وإلى أن يكون الإنسان مصدر راحة لا مصدر قلق، وأن يترك أثرًا جميلًا في كل مكان يمر به.
ما أجمل أن نستيقظ في مجتمع لا يخشى فيه الناس من بعضهم البعض، ولا ينتظرون الإساءة، بل ينتظرون الخير، مجتمع تكون فيه الأخلاق هي اللغة المشتركة، ويصبح الاحترام ثقافة، والتعاون أسلوب حياة، والرحمة أساس العلاقات الإنسانية.
إن بناء عالم أفضل لا يحتاج إلى معجزات، وإنما يحتاج إلى إنسان يعود إلى نفسه أولًا، ويسأل: هل ما أفعله يشبه الفطرة التي خلقني الله عليها؟ هل أزرع الطمأنينة في قلوب من حولي، أم أزيدهم همًا وضيقًا؟ هل أكون سببًا في نشر الحب، أم في نشر الكراهية؟
ربما لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نكون بداية التغيير، فكل بيت تسكنه المودة، وكل أسرة تُربي أبناءها على الرحمة، وكل معلم يغرس الأخلاق قبل المعلومات، وكل مسؤول يتعامل بالعدل، هو لبنة في بناء مجتمع أكثر إنسانية.
لنعد إلى الفطرة… إلى البساطة التي لا تعرف التعقيد، وإلى القلوب التي لا تحمل إلا الخير، وإلى عالم يقل فيه الضجيج ويكثر فيه السلام، عالم يشعر فيه الإنسان أنه بين أهله، لا بين خصومه.
ففي النهاية، أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس المال ولا المنصب، بل قلبًا سليمًا، وأثرًا طيبًا، وذكرى جميلة تبقى في نفوس الناس بعد رحيله.