كتب: عمرو أمين
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم، ولم تعد تقتصر على تبادل الأخبار والصور ومقاطع الفيديو، بل تحولت إلى مساحة واسعة للتأثير في أنماط الاستهلاك والقرارات المالية وحتى تصورات الأفراد عن النجاح والثروة.
وفي ظل هذا التأثير المتزايد، يطرح كثيرون تساؤلًا مهمًا: هل تصنع السوشيال ميديا أوهامًا مالية تدفع الأفراد إلى تبني أنماط إنفاق أو توقعات غير واقعية؟
في السنوات الأخيرة، امتلأت المنصات الرقمية بمحتوى يستعرض أنماط حياة فاخرة وسيارات باهظة الثمن وسفريات متكررة ومظاهر رفاهية قد توحي للمشاهد بأن تحقيق الثروة أمر سهل وسريع، ورغم أن بعض هذه النماذج قد تعكس نجاحات حقيقية، فإن جزءًا منها يعتمد على إظهار جانب واحد فقط من الواقع، بينما تُخفى خلف الكاميرا تفاصيل أخرى تتعلق بالتكاليف أو الديون أو التحديات التي واجهها أصحاب هذه التجارب.
وفي السياق، فإن المقارنة المستمرة بالآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى ضغوط مالية غير مباشرة، حيث يشعر البعض بالحاجة إلى مجاراة أنماط استهلاك لا تتناسب مع مستويات دخلهم الحقيقية، وقد يدفع ذلك إلى زيادة الإنفاق على الكماليات أو اللجوء إلى التقسيط والاقتراض من أجل الحفاظ على صورة اجتماعية معينة.
وقد ساهم انتشار ما يعرف بـ"مؤثري المال والأعمال" أو “البلوجرز” في تشكيل تصورات جديدة حول الاستثمار وتحقيق الأرباح؛ فبينما يقدم بعضهم محتوى مفيدًا قائمًا على الخبرة والمعرفة، يروج آخرون لفكرة الثراء السريع أو تحقيق مكاسب ضخمة خلال فترات قصيرة، دون الإشارة بشكل كافٍ إلى المخاطر المرتبطة بالاستثمار أو أهمية التخطيط المالي طويل الأجل.
ولا تقتصر التأثيرات على الأفراد فقط، بل تمتد إلى رواد الأعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة، الذين قد يعتقدون أن النجاح يجب أن يكون سريعًا ومبهرًا كما يظهر على المنصات الرقمية.. وعندما يواجهون الواقع الطبيعي للأعمال، والذي يتطلب وقتًا وجهدًا وتراكمًا تدريجيًا للنتائج، قد يصابون بالإحباط أو يتخذون قرارات سريعة بحثًا عن نمو أسرع.
في المقابل، لا يمكن تحميل السوشيال ميديا المسؤولية كاملة، إذ توفر هذه المنصات فرصًا حقيقية للتعلم واكتساب المعرفة المالية والوصول إلى خبرات وتجارب متنوعة، إذ ساعدت الكثير على إطلاق مشروعات خاصة بهم وتسويق منتجاتهم والوصول إلى عملاء جدد بتكاليف محدودة.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي في طريقة التعامل مع المحتوى المنشور؛ فليس كل ما يُعرض على الشاشات يعكس الواقع بالكامل، وليس كل قصة نجاح قابلة للتكرار بنفس الظروف.. لذلك لابد من تجنب اتخاذ قرارات استثمارية أو استهلاكية بناءً على محتوى دعائي أو تجارب فردية فقط.
وأخيرًا يمكننا القول بأن السوشيال ميديا ليست سببًا مباشرًا للأوهام المالية، لكنها قد تصبح بيئة خصبة لصناعتها إذا غاب الوعي النقدي لدى المتلقي.. فبينما تتيح هذه المنصات فرصًا كبيرة للتعلم والنمو، يظل الاستخدام الواعي والمتوازن؛ العامل الأهم في التمييز بين الواقع والصورة التي يراد تسويقها للجمهور.