إعداد: محمود سليم
في ظل الظروف العصيبة وارتفاع تكاليف المعيشة، يجب علينا أن نتوقف قليلًا أمام حقيقة بسيطة لكنها عميقة وهي أن الإنسان وحده لا يستطيع أن يصنع نجاحًا كاملًا، ولا أن يواجه كل الأعباء بمفرده، ومن هذا المنطلق لم يكن غريبا علينا أن نرى في تراثنا الشعبي حكم وأمثال تنير الطريق نحو الترابط والتكاتف والعمل معا وهو ما يرسخ مقولة واقعية وهي أن القوة الحقيقية في الجماعة، والبركة في الجماعة، وأن يدًا واحدة لا تصفق.
وقال الله تعالى في كتابه الكريم: "وتعاونوا على البر والتقوى والا تعاونوا على الأثم والعدوان"، صدق من قال، وإذا نظرنا في هذه الأية المباركة نجد أنها تحمل فلسفة للحياة الاجتماعية الصحيحة، ومنها نستمد حقيقة وهي أن المجتمع القوي لايقوم إلا على التعاون، ولا تنهض أمة إلا بتكامل الجهود لا بتنافرها، فتشير الأية الكريمة إلا قاعدة لا شك فيها لبناء مجتمع متماسك يعرف كيف يواجه التحديات بدلًا من أن ينهار أمامها.
والقرأن الكريم مليئ بالأيات التي تدعو للحمة والعمل الجماعي، حيث قال الله عز وجل:" إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص"، وهي صورة بليغة ترسم معنى الوحدة وهو بناء متماسك لا فراغ فيه، لا يتصدع لأنه قائم على التلاحم لا الفردية.
ولعل الأمثال الشعبية جاءت لتؤكد نفس المعنى بلغة بسيطة يفهمها الجميع، فنسمع طوال الوقت أمثال تعبر عن العمل الجماعي مثل" إيد لوحدها ما تصقفش"، و"اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار"، وكلها وإن اختلفت في سياقها، إلا أنها تلتقي عند فكرة واحدة وهي أن التعاون والتكاتف يصنعان فرقًا، وأن الجهد الفردي مهما كان قويًا يظل محدود الأثر ما لم يسانده الآخرون.
وقال الحكماء في القدم أن الإنسان مدني بطبعه، أي أنه لا يستطيع أن يعيش أو ينجح بمعزل عن الآخرين، على سبيل المثال:"الفلاح يحتاج إلى الصانع، والصانع يحتاج إلى التاجر، والعالم يحتاج إلى من ينشر علمه، والمجتمع كله يحتاج إلى منظومة متكاملة من الأدوار المتعاونة".
وفي الحقيقة الواضحة كالشمس في شروقها أن أخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الفقر وحده، ولا قلة الموارد فقط، بل التفكك وضعف روح التعاون، مثلا حين يسعى كل فرد إلى مصلحته وحده دون اعتبار للمجموع، تتحول الجهود إلى صراع، وتضيع البركة، ويصبح البناء العام هشًا مهما بدا قويًا من الخارج.
والحقيقة الغائبة علينا جميعا أن أهمية إحياء قيمة اليد الواحدة مع الجماعة، ليس كشعار يقال، بل كسلوك يمارس في العمل، وفي العلاقات، وفي مواجهة الأزمات، فالموظف في عمله، والطبيب في مستشفاه، والمعلم في فصله، كلهم لبنات في بناء واحد، إذا تكاملوا ارتفع البناء، وإذا تفرقوا انهار أو ضعف.