تشغل الاقتصادات الناشئة موقعًا خاصًا في خريطة الاقتصاد العالمي. فهي ليست فقيرة بالمعنى التقليدي، وليست متقدمة بالكامل، بل تقف في منتصف الطريق: تنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات الناضجة غالبًا، وتتسع فيها الطبقة المتوسطة، وتجذب أنظار المستثمرين. لكن هذا النمو ليس مضمونًا ولا يحدث بالمصادفة، بل تقف خلفه عوامل متداخلة، إذا اجتمعت حسنًا دفعت الاقتصاد إلى الأمام، وإذا اختل بعضها تعثرت المسيرة.
ما المقصود بالاقتصاد الناشئ؟
يُطلق هذا الوصف على الدول التي تمر بمرحلة تحول من اقتصاد يعتمد على الزراعة أو الموارد الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا وصناعة وخدمات، مع تحسن تدريجي في مستويات الدخل والبنية التحتية والأسواق المالية. وتختلف هذه الدول فيما بينها اختلافًا كبيرًا في الحجم والموارد والنظم السياسية، لكنها تتشارك تحديات وفرصًا متقاربة. ولا يوجد تعريف واحد متفق عليه، إذ تضع المؤسسات المالية الدولية قوائمها الخاصة وتعدّلها مع الزمن.
أولًا: رأس المال البشري
يأتي الإنسان في مقدمة عوامل النمو. فالدولة التي تستثمر في التعليم والتدريب والصحة تبني قوة عاملة أكثر إنتاجية وقدرة على التكيف. وحين ترتفع مهارات العمال، تستطيع الاقتصادات الناشئة أن تنتقل من الصناعات البسيطة كثيفة العمالة إلى صناعات أعلى قيمة مضافة.
ويرتبط بذلك ما يسميه الاقتصاديون «العائد الديموغرافي»، أي أن تكون نسبة السكان في سن العمل مرتفعة قياسًا بالمعالين من أطفال وكبار سن. هذا الوضع قد يكون فرصة ذهبية، لكنه لا يتحول إلى نمو تلقائيًا؛ فشباب بلا تعليم جيد ولا وظائف ينقلب إلى عبء اجتماعي بدل أن يكون ميزة. ولذلك فإن الفرصة الديموغرافية تحتاج إلى سياسات تعليم وتشغيل تحسن استثمارها.
ثانيًا: الاستقرار الاقتصادي الكلي
لا يستثمر أحد بثقة في بيئة تتقلب فيها الأسعار وأسعار الصرف تقلبًا حادًا. ولهذا يُعد الاستقرار الاقتصادي الكلي شرطًا أساسيًا للنمو: تضخم تحت السيطرة، وعجز في الموازنة يمكن تمويله دون إرهاق، وسياسة نقدية موثوقة، ودين عام في حدود يمكن خدمتها. فالمستثمر يحتاج إلى أن يتوقع تكاليفه وأرباحه بدرجة معقولة، والمواطن يحتاج إلى أن تحتفظ مدخراته بقيمتها.
وتعاني اقتصادات ناشئة كثيرة من تقلبات رؤوس الأموال، إذ تتدفق إليها الأموال حين تتحسن الظروف العالمية وتخرج بسرعة حين تتغير. وبناء احتياطيات كافية وتنويع مصادر التمويل يخففان من أثر هذه التقلبات.
ثالثًا: جودة المؤسسات وسيادة القانون
تؤكد دراسات وتجارب كثيرة أن الاقتصادات تنمو بصورة أفضل حين تتوفر مؤسسات موثوقة: قضاء نزيه، وحماية للملكية، وعقود تُنفَّذ، وتشريعات واضحة، وإدارة عامة فعّالة، وقدرة على مكافحة الفساد. فالمستثمر الذي يخشى ضياع حقه أو تغيّر القواعد فجأة سيتردد أو يطلب عائدًا أعلى ليعوض المخاطرة. أما حين تتحسن البيئة المؤسسية، فتنخفض تكلفة التعامل ويزداد الإقبال على الاستثمار طويل الأجل.
رابعًا: الاستثمار والبنية التحتية
الطرق والموانئ والكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت هي الشرايين التي يسير فيها النشاط الاقتصادي. وكل ضعف فيها يرفع تكلفة الإنتاج ويبطئ حركة البضائع والمعلومات. لذلك تضع الاقتصادات الناشئة الناجحة الاستثمار في البنية التحتية في صدارة أولوياتها، سواء عبر الإنفاق العام أو الشراكة مع القطاع الخاص.
كما أن الاستثمار الإنتاجي، المحلي والأجنبي، يضيف طاقة جديدة للاقتصاد ويجلب التقنية والخبرة. غير أن الاستثمار الأجنبي ليس هدفًا في ذاته؛ فقيمته الحقيقية تظهر حين ينقل المعرفة ويرتبط بالموردين المحليين ويخلق وظائف ومهارات، لا حين يكتفي بالاستفادة من موارد أو إعفاءات.
خامسًا: الانفتاح على التجارة والاندماج العالمي
الأسواق الداخلية محدودة مهما بلغ عدد السكان، أما الانفتاح على الأسواق الخارجية فيوسّع نطاق الطلب ويتيح اقتصادات الحجم، ويدفع الشركات المحلية إلى رفع جودتها لتنافس عالميًا. وقد اعتمدت تجارب ناشئة كثيرة على التصدير كمحرك للنمو، فتدرّجت من تصدير المواد الخام إلى منتجات مصنّعة ثم إلى سلع وخدمات أعلى تعقيدًا.
وفي الوقت نفسه يحمل الانفتاح مخاطر، فهو يعرّض الاقتصاد لتقلبات الأسواق العالمية، وقد يضر بصناعات محلية لم تستعد للمنافسة. ومن هنا تظهر أهمية الموازنة بين الانفتاح وحماية القطاعات الناشئة بقدر مدروس ومؤقت.
سادسًا: التنويع الاقتصادي
الاعتماد على سلعة واحدة أو قطاع واحد يجعل الاقتصاد رهينة لتقلب أسعارها. أما التنويع فيوزّع المخاطر ويفتح مصادر متعددة للدخل والعملة الصعبة. وتسعى الاقتصادات الناشئة الناجحة إلى الانتقال التدريجي نحو الصناعة التحويلية والخدمات والتقنية، مستفيدة من مزاياها النسبية. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في الدول الغنية بالموارد الطبيعية، حيث يكون الإغراء كبيرًا بالاكتفاء بما تدرّه من إيرادات.
سابعًا: الابتكار والتحول الرقمي
لم يعد النمو يعتمد على زيادة العمالة ورأس المال فقط، بل على رفع الإنتاجية عبر التقنية والابتكار. وتتيح الرقمنة للاقتصادات الناشئة فرصة القفز على مراحل، كما حدث في كثير من الدول التي انتشرت فيها الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول قبل أن تتوسع فيها الفروع المصرفية التقليدية. وتشمل مظاهر هذا العامل دعم البحث والتطوير، وحاضنات الأعمال، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الرقمي، وتشجيع الشركات الناشئة.
ثامنًا: القطاع المالي والشمول المالي
لا ينمو الاقتصاد دون نظام مالي يحوّل المدخرات إلى استثمارات. فالبنوك والأسواق المالية الكفؤة تمنح الشركات والأفراد التمويل اللازم للتوسع. ويحظى الشمول المالي بأهمية خاصة، أي إتاحة الخدمات المالية لأوسع شريحة، خصوصًا أصحاب المشروعات الصغيرة والأسر محدودة الدخل، بما يفتح لهم باب الادخار والائتمان والتأمين.
تاسعًا: الاستقرار السياسي والاجتماعي
يحتاج النمو إلى بيئة تسمح بالتخطيط بعيد المدى. فالنزاعات وعدم اليقين السياسي وضعف الثقة بين المجتمع والدولة ترفع المخاطر وتبعد المستثمرين. وفي المقابل، فإن النمو الذي لا يتقاسم الناس ثماره بإنصاف قد يولّد توترات اجتماعية تهدده في المستقبل. لذلك يرتبط استدامة النمو بدرجة من العدالة في توزيع الفرص والدخل.
تحديات تعترض الطريق
يجدر التنبيه إلى أن مسار الاقتصادات الناشئة ليس مفروشًا بالورود. ومن أبرز العقبات:
- فخ الدخل المتوسط: حين ينجح البلد في الانتقال من الفقر لكنه يعجز عن الصعود إلى مستوى الدخل المرتفع، لأن ميزته في الأجور المنخفضة تتلاشى دون أن تحل محلها ميزة الإنتاجية والابتكار.
- الديون: فالاقتراب المفرط من الاقتراض، خاصة بالعملات الأجنبية، قد يضع الاقتصاد تحت ضغط شديد عند تغير الظروف.
- التفاوت: حين يتركز النمو في مدن أو فئات بعينها وتتخلف مناطق أخرى.
- التغير المناخي ونقص الموارد: إذ تتأثر اقتصادات كثيرة بالجفاف والفيضانات وأنماط الطقس المتغيرة.
خلاصة القول
النمو في الاقتصادات الناشئة نتيجة تفاعل عدة عوامل لا عامل واحد: إنسان مؤهل، واستقرار اقتصادي، ومؤسسات موثوقة، وبنية تحتية جيدة، وانفتاح مدروس، وتنويع، وابتكار، ونظام مالي شامل، وبيئة سياسية واجتماعية مستقرة. وأي دولة تهمل أحدها قد تدفع الثمن في صورة نمو متعثر أو مؤقت.
والدرس الأهم أن النمو ليس هدفًا يتحقق بقرار واحد أو سنة واحدة، بل مسار طويل يتطلب اتساقًا في السياسات وصبرًا على الإصلاح، وقدرة على التعلم من التجارب. ومن أحسن بناء هذه الركائز معًا، وجد اقتصاده قادرًا على الصعود لا مرة واحدة، بل بصورة مستدامة.







