تمهيد
تخيّل رجلاً مسنّاً أصابته عدوى فيروسية في الدماغ فمحت ذاكرته تقريباً، فلا يتذكر ما فعله قبل دقائق، ومع ذلك يخرج كل يوم من بيته ويتمشى في الحي ويعود إلى البيت دون أن يضل الطريق. هذه هي حكاية يوجين باولي، التي يفتتح بها الصحفي الحائز على جائزة بوليتزر تشارلز دوهيغ كتابه، وهي حكاية تقول شيئاً مزعجاً وجميلاً في آنٍ واحد: إن جزءاً كبيراً مما نفعله كل يوم لا تديره الذاكرة ولا الإرادة، بل منطقة أخرى من الدماغ تعمل بصمت، اسمها العادة.
ماذا يريد الكاتب؟
يريد دوهيغ أن ينقل العادة من خانة “الطبع الذي لا يتغير” إلى خانة “الآلية التي يمكن فهمها”. فهو يرى أن الناس يظنون أن تغيير عاداتهم مسألة قوة إرادة، بينما المسألة في جوهرها معرفة بالطريقة التي تتشكل بها العادة. وإذا فهمتها صرت قادراً على إعادة تشكيلها. وهو لا يكتفي بذلك، بل يوسّع الفكرة لتشمل الشركات والمجتمعات، فيقول إن للمؤسسات عاداتها كما للأفراد، وإن للمجتمعات عادات تدفعها نحو التغيير أو الجمود.
لماذا هذا الكتاب؟
جاء الكتاب عام 2012 ثمرة سنوات من عمل دوهيغ الصحفي في تغطية الأعمال والعلوم، حين لاحظ أن قصصاً كثيرة، من مبيعات منتج إلى إصلاح شركة إلى حركة اجتماعية، تلتقي عند مفهوم واحد. وقد حظي الكتاب بانتشار واسع، ورُشح ضمن القائمة الطويلة لجائزة كتاب الأعمال لهذا العام من صحيفة فايننشال تايمز، وبجائزة اختيار القراء في موقع جودريدز عن فئة الكتب غير الروائية. وهو يتوجه إلى القارئ العام لا إلى المتخصصين، ولذلك اعتمد على السرد القصصي أكثر من التنظير.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
- “حلقة العادة” مكوّنة من ثلاث خطوات: إشارة تطلق السلوك، ثم الروتين نفسه، ثم المكافأة التي تعزز التكرار. ومع الوقت يظهر عنصر رابع هو التوق، أي أن الدماغ يتوقع المكافأة قبل أن تأتي.
- القاعدة الذهبية لتغيير العادة: أبقِ الإشارة والمكافأة كما هما، وغيّر الروتين فقط. ويقول الكتاب إن هذه القاعدة تنجح أكثر حين يرافقها إيمان بإمكانية التغيير، كما في تجربة جماعات التعافي.
- قصة “فيبريز”: المنتج فشل في البداية لأن الناس اعتادوا الروائح ولم يلاحظوها، فلم تكن هناك إشارة، ثم أُضيف عطر يمنح إحساساً بالمكافأة فنما الطلب.
- “العادات المحورية”: عادات صغيرة تحرّك سلسلة من التغييرات الأخرى، كما فعل بول أونيل حين ركّز على سلامة العمال في شركة ألكوا فتحسّنت بقية جوانب الشركة.
- “الانتصارات الصغيرة” تبني الزخم، فالنجاح في خطوة بسيطة يقنع الإنسان بأن التغيير ممكن.
- شركة ستاربكس تدرّب موظفيها على ضبط النفس وتحوّل الاستجابات الصعبة إلى روتين مكتوب، حتى لا يحتاجوا إلى إرادة كبيرة في لحظات الضغط.
- في المجتمعات، تُظهر قصة روزا باركس كيف تحفّز الروابط الاجتماعية والضغط الاجتماعي حركة كاملة، وتبقيها مستمرة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب من يريد أن يفهم لماذا يفشل في تغيير عاداته رغم نيته الصادقة، والمدير الذي يريد فهم ثقافة فريقه، والمسوّق الذي يهتم بسلوك المستهلك. كما يناسب القارئ الذي يحب الحكايات الصحفية الجيدة ويفضّل أن تأتيه الفكرة داخل قصة. وهو مناسب أيضاً لمن قرأ كتباً عملية عن العادات ويريد أن يعرف الأساس العلمي والتاريخي وراءها.
مميزات الكتاب:
أول ميزاته أنه يشرح السبب قبل أن يعطي النصيحة، فيفهم القارئ لماذا تعمل الأدوات التي يستخدمها. وثانيها أن بنيته واضحة: عادات الأفراد، ثم عادات المؤسسات، ثم عادات المجتمعات، وفي آخره ملحق عملي يلخص خطوات تطبيق الفكرة. وثالثها قوة السرد، فالقصص التي يرويها، من الطبيب العصبي إلى الرئيس التنفيذي إلى زعيمة الحركة المدنية، تجعل القراءة ممتعة وتثبّت الفكرة في الذاكرة.
قراءة صحفية:
قيمة الكتاب الأولى أنه يمنحك لغة جديدة لوصف ما كنت تشعر به دون أن تستطيع تسميته. فحين تعرف أن عادتك في فتح الهاتف عند الملل تتكون من إشارة وروتين ومكافأة، تتوقف عن لوم نفسك على “ضعف الشخصية” وتبدأ بالسؤال عن المكافأة الحقيقية التي تبحث عنها. وهذا تحول مهم في طريقة النظر إلى الذات، لأنه ينقل المسألة من الجلد إلى الفضول، ومن الشعور بالذنب إلى البحث عن الحل.
لكن الإنصاف يقتضي ملاحظات. فالكتاب صحفي في أسلوبه، ويميل إلى تبسيط قضايا معقدة في قصص أنيقة تبدو فيها الأسباب والنتائج أوضح مما هي في الواقع. وقد انتقد بعض القراء أن الحلقة الثلاثية، رغم فائدتها، لا تفسر كل أنواع السلوك، وأن بعض العادات تتأثر ببيئة وعوامل نفسية واجتماعية أعمق من تعديل الروتين. ويتردد في عروض الكتاب أن نحو أربعين بالمئة من أفعالنا اليومية تأتي من العادة، وهو رقم يُستحسن التعامل معه كتقدير تقريبي لا كحقيقة مطلقة، فالقارئ الذي يبني قراراته على رقم واحد يُنقل من كتاب إلى كتاب قد يبالغ في تقدير ما يعنيه. كما أن كثرة الأمثلة قد تُشعر القارئ أحياناً أن الفكرة تُستعاد بأشكال متعددة، وأن بعض الأمثلة المؤسسية تحتاج إلى حذر عند نقلها إلى حياة الأفراد.
ومع ذلك يبقى الكتاب مدخلاً ممتازاً، خاصة إذا قُرئ جنباً إلى جنب مع كتب عملية أحدث عن العادات الصغيرة، فهو يشرح لماذا نفعل ما نفعله، وتلك الكتب تشرح كيف نبني عادة جديدة خطوة بخطوة. وإن أردت أن تجرب فكرته اليوم، فاختر عادة واحدة مزعجة، واكتب إشارتها وروتينها ومكافأتها على ورقة، ثم اسأل نفسك: ماذا لو أبقيت المكافأة وغيّرت الروتين فقط؟
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
- العنوان: قوة العادة: لماذا نفعل ما نفعله في الحياة والأعمال (The Power of Habit: Why We Do What We Do in Life and Business)
- المؤلف: تشارلز دوهيغ
- دار النشر: Random House
- بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
- الطبعة: Hardcover (النشر الأول بحسب البطاقة: 25 أبريل 2012)
- سنة النشر: 2012 (تاريخ هذه الطبعة: 28 فبراير 2012)
- عدد الصفحات: 375
- ISBN: 9781400069286







