18 مليار دولار استثمارات أجنبية في مصر خلال عام.. القطاع الخاص يقود تحول خريطة الاستثمار

تواصل مصر جهودها لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية باعتبارها أحد المحركات الرئيسية لزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتعزيز الصادرات، في وقت تشير فيه أحدث البيانات الرسمية إلى ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بالتوازي مع زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات المنفذة، وهو ما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة تستهدف توسيع القاعدة الإنتاجية وتحسين تنافسية الاقتصاد المصري.

وأعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، بزيادة بلغت نحو 47.5%، بما يعكس نموا في التدفقات الاستثمارية الوافدة إلى السوق المصرية.

ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، مع التركيز على الصناعة والتصدير وتوطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي، بما يضمن تحويل التدفقات المالية إلى طاقات إنتاجية وفرص عمل مستدامة.

15.5 مليار دولار استثمارات أجنبية خلال 2025

احتلت مصر المركز الأول إفريقيا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر للعام الرابع على التوالي، بعدما سجلت تدفقات بلغت نحو 15.5 مليار دولار خلال عام 2025، وفقا لتقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، بحسب بيانات حكومية مصرية.

وجاءت مصر في صدارة الدول الإفريقية، متقدمة على غينيا التي سجلت نحو 7.8 مليار دولار، وموزمبيق بنحو 5.7 مليار دولار، ونيجيريا بنحو 4 مليارات دولار، وإثيوبيا بنحو 3.8 مليار دولار، وفقا للبيانات الواردة في التقرير. <Cite refs={[“turn287013search3”]} />

وتعكس هذه الأرقام أهمية السوق المصرية بالنسبة للمستثمرين الدوليين، في ضوء حجم السوق المحلية والموقع الجغرافي والاتفاقيات التجارية والبنية التحتية، إلى جانب الفرص المتاحة في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات واللوجستيات.

لكن قراءة تطور الاستثمارات تتطلب التمييز بين السنة الميلادية والسنة المالية، فضلا عن مراعاة أثر الصفقات الكبرى والاستثنائية، إذ لا تعكس التدفقات المسجلة بالضرورة الحجم نفسه من الاستثمارات الجديدة التي تنشئ مصانع أو تضيف طاقات إنتاجية مباشرة.

القطاع الخاص يرفع حصته إلى 47.5%

على مستوى الاستثمار المحلي، أظهرت بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي ارتفاع حصة الاستثمار الخاص إلى نحو 47.5% من إجمالي الاستثمارات والمخزونات خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 38.8% في العام المالي السابق، لتسجل أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات، وفقا للبيانات الحكومية المنشورة.

وبلغت قيمة الاستثمارات الخاصة المنفذة نحو 590.7 مليار جنيه بالأسعار الثابتة خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 474.7 مليار جنيه خلال العام المالي 2023/2024، في حين تراجعت الاستثمارات العامة من نحو 627.5 مليار جنيه إلى 526.6 مليار جنيه بالأسعار الثابتة خلال الفترة نفسها.

ويعكس هذا التحول اتجاها نحو توسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاستثماري، بما يتماشى مع توجهات الدولة الرامية إلى تعزيز دور الشركات المحلية في قيادة النمو الاقتصادي، وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة، وتوجيه الموارد المتاحة إلى المشروعات ذات الأولوية.

وتظل استدامة هذا التحول مرتبطة بقدرة الشركات على الحصول على التمويل، واستقرار السياسات الاقتصادية والتشريعية، وسرعة الإجراءات الحكومية، وتوفير الأراضي والمرافق اللازمة للمشروعات، إلى جانب تحسين بيئة المنافسة وتيسير دخول المستثمرين إلى الأسواق.

1.2 تريليون جنيه استثمارات خاصة مستهدفة

وتشير بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى أن قيمة الاستثمارات الخاصة بلغت نحو 1.2 تريليون جنيه خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 700.4 مليار جنيه خلال العام المالي 2023/2024، مع استهداف ارتفاعها إلى نحو 1.94 تريليون جنيه خلال العام المالي 2025/2026.

كما بلغ معدل الاستثمار نحو 12.9% خلال العام المالي 2024/2025، فيما استهدفت المؤشرات الحكومية ارتفاعه إلى نحو 17.1% خلال العام المالي 2025/2026.

وتعكس هذه المستهدفات طموحا لزيادة حجم الاستثمارات داخل الاقتصاد المصري، إلا أن الحكم على تحققها يتطلب الرجوع إلى البيانات النهائية المنفذة للعام المالي 2025/2026، وعدم التعامل مع المستهدفات باعتبارها نتائج نهائية مؤكدة.

الصناعة والقطاع المالي والعقارات في صدارة جذب الاستثمار الأجنبي

على مستوى توزيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، استحوذ القطاع المالي على نحو 16.7% من صافي التدفقات خلال العام المالي 2024/2025، تلاه القطاع الصناعي بنسبة 16.2%، ثم الأنشطة العقارية بنسبة 15.4%، وفقا لمؤشرات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.

ويبرز هذا التوزيع أهمية القطاعات المالية والصناعية والعقارية في جذب رؤوس الأموال، لكنه يسلط الضوء أيضا على ضرورة زيادة الاستثمارات التي ترفع الإنتاج والصادرات وتوسع فرص التشغيل، خصوصا في الصناعات التحويلية والصناعات الهندسية والدوائية والغذائية ومستلزمات الإنتاج.

وتشير البيانات نفسها إلى أن المشروعات الجديدة والتوسعات في الشركات القائمة استحوذت على 47.4% من صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير البترولية خلال العام المالي 2024/2025، بينما بلغت حصة الأرباح المعاد استثمارها 36.2%، والتحويلات المرتبطة بشراء العقارات من غير المقيمين 16.4%.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة عند تقييم جودة الاستثمار، لأن إنشاء مشروعات جديدة والتوسع في خطوط الإنتاج قد يضيفان طاقات إنتاجية وفرص عمل مباشرة، بينما تختلف الآثار الاقتصادية لشراء الأصول القائمة أو الاستثمارات التي لا ترتبط بتوسيع الإنتاج بالدرجة نفسها.

تأسيس وتوسعات 47.8 ألف شركة

وفي مؤشر على حركة تأسيس الأعمال والتوسع في السوق المصرية، ارتفع عدد الشركات الجديدة والتوسعات في الشركات القائمة إلى نحو 47,815 شركة خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 39,541 شركة خلال العام المالي السابق، وفقا لبيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.

كما ارتفع رأس المال المصدر للشركات الجديدة والتوسعات إلى نحو 1.03 تريليون جنيه، مقابل نحو 360.1 مليار جنيه خلال العام المالي 2023/2024، بحسب البيانات ذاتها.

ويجب التمييز هنا بين رأس المال المصدر وبين الأموال التي تم ضخها فعليا في مشروعات إنتاجية، إذ لا يعني ارتفاع رأس المال المسجل بالضرورة أن القيمة نفسها تحولت بالكامل إلى أصول أو إنتاج أو فرص عمل خلال الفترة ذاتها.

كيف تتحول الاستثمارات إلى نمو اقتصادي مستدام؟

تتوقف الفائدة الحقيقية للاستثمار على طبيعة الأنشطة التي تتجه إليها الأموال، ومدى قدرتها على زيادة الإنتاج المحلي، ورفع الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوفير فرص العمل، ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى الشركات والعمالة المصرية.

وتزداد أهمية الاستثمارات الصناعية التي تعتمد على الموردين المحليين، وتوفر فرصا لتطوير الصناعات المغذية، وتفتح أسواقا خارجية أمام المنتجات المصرية، بما يعزز القيمة المضافة المحلية ويزيد قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.

كما يمثل تحسين مناخ الأعمال عنصرا حاسما في الحفاظ على تدفقات الاستثمار، من خلال تبسيط إجراءات التأسيس والتراخيص، وتوفير المعلومات للمستثمرين، وتسريع الخدمات الحكومية، وتحسين كفاءة الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، وضمان استقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.

وتحتاج مصر كذلك إلى تعزيز الربط بين الحوافز الاستثمارية والأهداف الإنتاجية، بحيث تتجه المزايا إلى المشروعات القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية، وزيادة الصادرات، وتوفير وظائف مستقرة، وتعميق التصنيع المحلي، مع تقييم النتائج بصورة دورية وشفافة.

ورغم ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 18 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، فإن استمرار تدفق الأموال ليس الهدف الوحيد، إذ يتمثل التحدي الأكبر في ضمان استدامة الاستثمار وتوزيعه على أنشطة متنوعة، بما يقلل الاعتماد على الصفقات الاستثنائية ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات العالمية.

كما يتطلب تعظيم العائد توسيع قاعدة الشركات المصدرة، وتيسير حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل، ورفع كفاءة العمالة، وتطوير التكنولوجيا، وزيادة مساهمة الصناعة في الإنتاج والصادرات، إلى جانب بناء روابط أقوى بين الشركات الأجنبية والموردين المحليين.

وتؤكد الأرقام أن مصر تمتلك قاعدة مهمة لجذب الاستثمار الأجنبي وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، غير أن النجاح طويل الأجل سيعتمد على تحويل هذه المؤشرات إلى مصانع ومشروعات تعمل بكفاءة، ومنتجات تصل إلى أسواق جديدة، وفرص عمل مستقرة، وزيادة ملموسة في القيمة المضافة المحلية.

فالمعيار الحقيقي لنجاح الاستثمار ليس حجم الأموال الوافدة وحده، وإنما ما تتركه داخل الاقتصاد من إنتاج وتكنولوجيا وصادرات وفرص عمل، وما تضيفه إلى قدرة مصر على بناء اقتصاد أكثر تنوعا وتنافسية واستدامة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *