التمهيد
لم تصنع الصين تحولها الاقتصادي بقرار واحد ولم تنتقل من اقتصاد مخطط إلى اقتصاد السوق عبر طريق مستقيم يخلو من المخاطر والتناقضات بل اعتمدت على سلسلة من التجارب المؤسسية التي حاولت التوفيق بين متطلبات المنافسة وحسابات الدولة ومصالح الشركات والمجتمعات المحلية وكانت المسألة الأهم هي كيفية تغيير قواعد الاقتصاد دون تفكيك جميع مؤسساته دفعة واحدة ومن هنا تبرز التجربة الصينية بوصفها واحدة من أكثر التجارب إثارة للتأمل في تاريخ التنمية الحديثة
المقدمة
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها تمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
يقدم الاقتصادي الصيني يينغي تشيان في كتابه «كيف نجح الإصلاح في الصين» قراءة تحليلية للآليات التي ساعدت بلاده على الانتقال من التخطيط المركزي إلى اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على السوق ويركز العمل على المؤسسات الانتقالية وتحرير الأسواق تدريجيًا وطبيعة ملكية الشركات واللامركزية الحكومية والحوافز المالية باعتبارها عناصر مترابطة ساهمت في تشكيل مسار الإصلاح الصيني
الملخص
تبدأ الفكرة الأساسية بالتمييز بين معرفة الشكل المثالي للاقتصاد ومعرفة الطريق الممكن للوصول إلى اقتصاد أكثر كفاءة فالمؤسسات التي تنجح في دولة معينة قد لا تحقق النتائج نفسها في دولة أخرى لأن كل مجتمع يبدأ من ظروف تاريخية وسياسية وإدارية مختلفة ولهذا لا يمكن قياس الإصلاح بمدى مطابقته لنموذج نظري جاهز بل بقدرته على معالجة المشكلات القائمة وخلق حوافز جديدة تساعد الأفراد والمؤسسات على تغيير سلوكهم
تقدم التجربة الصينية مثالًا على أهمية الإصلاح التدريجي في مواجهة الاختلالات الاقتصادية فالتغيير الشامل والسريع قد يصطدم بمصالح راسخة أو يؤدي إلى تعطيل قطاعات يعتمد عليها المجتمع بينما يسمح الانتقال المتدرج باختبار السياسات ومراقبة نتائجها وتعديلها عند الضرورة ولا يعني هذا أن التدرج يضمن النجاح تلقائيًا بل إن قيمته تظهر عندما يقترن بوضوح الأهداف والاستعداد للتعلم والقدرة على تصحيح الأخطاء
تظهر هذه الفكرة بوضوح في أسلوب تحرير الأسواق الذي اعتمد على وجود مسارين متوازيين خلال مراحل من التحول الاقتصادي فقد استمرت بعض الالتزامات المرتبطة بالنظام القديم في الوقت الذي توسعت فيه الأنشطة الجديدة التي تعمل وفق آليات السوق وأتاح هذا الترتيب مساحة لتوسيع الإنتاج والتبادل التجاري دون إلغاء جميع الترتيبات السابقة دفعة واحدة وكانت الفكرة الجوهرية هي خلق فرص جديدة للنمو مع تقليل الخسائر التي قد تصيب الأطراف المرتبطة بالنظام القائم
تكشف هذه الآلية عن جانب مهم في الاقتصاد السياسي وهو أن الإصلاح لا يحدث في فراغ فكل قرار اقتصادي يعيد توزيع الفرص والمنافع والتكاليف ولذلك تتوقف إمكانية تطبيقه على قدرة النظام على إدارة المصالح المتعارضة وخلق حوافز تشجع الأطراف المختلفة على قبول التغيير وعندما يصبح الإصلاح مفيدًا لعدد أكبر من المشاركين تزداد فرص استمراره وتقل احتمالات مقاومته وهذا لا يلغي الصراعات أو يضمن توزيعًا عادلًا للمكاسب لكنه يوضح لماذا قد يكون التصميم العملي للإصلاح أهم من الاكتفاء بإعلان أهدافه
تحتل ملكية الشركات موقعًا محوريًا في هذه التجربة لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن يمتلك الأصول بل بكيفية إدارة تلك الأصول وتحديد المسؤوليات وتوزيع العوائد والمخاطر فالشركة تحتاج إلى صلاحيات تسمح لها باتخاذ قرارات سريعة وتحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد تحدد علاقتها بالجهات الحكومية والمجتمع والممولين وتساعد الحوافز المناسبة على تحويل الموارد المتاحة إلى إنتاج فعلي بينما يؤدي غموض المسؤوليات إلى ضعف المحاسبة وصعوبة معرفة أسباب النجاح أو الفشل
توضح الشركات المحلية التي نشأت في المدن والقرى الصينية أن النشاط الاقتصادي لم يكن محصورًا في المؤسسات المركزية الكبرى فقد استطاعت بعض الحكومات المحلية والمجتمعات المشاركة في إنشاء مشروعات صناعية وتجارية استجابت لاحتياجات الأسواق المحيطة بها واستفادت من الموارد والخبرات المحلية وأوجدت هذه المشروعات مساحات جديدة للتوظيف والإنتاج في الوقت الذي كان فيه القطاع غير الحكومي يتوسع تدريجيًا وقد ساعد انتشار المبادرات المحلية على تنويع النشاط الاقتصادي وتوسيع قاعدة التصنيع بعيدًا عن الاعتماد الكامل على القرارات الصادرة من المركز
يمتد الإصلاح كذلك إلى العلاقة بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية فالسلطة المركزية تستطيع وضع التوجهات العامة وتحديد الأولويات الوطنية لكن الجهات المحلية تكون أقرب إلى معرفة ظروف المشروعات والعمال والأسواق في مناطقها وعندما تحصل هذه الجهات على صلاحيات مناسبة وتتحمل مسؤولية جزء من نتائج قراراتها يصبح لديها حافز أكبر لزيادة الإيرادات وتحسين النشاط الاقتصادي المحلي غير أن اللامركزية ليست حلًا مضمونًا في كل الظروف لأنها قد تخلق تفاوتًا بين المناطق أو تشجع المنافسة غير المنضبطة أو تدفع بعض الجهات إلى إعطاء الأولوية للمكاسب السريعة على حساب الاستقرار طويل الأجل
توضح هذه التجربة أن الحوافز المالية تؤثر في سلوك المؤسسات العامة مثلما تؤثر في الشركات الخاصة فعندما ترتبط قدرة الإدارة المحلية على تمويل مشروعاتها بنتائج النشاط الاقتصادي الذي تشرف عليه يصبح النمو المحلي عنصرًا مهمًا في حساباتها وتساعد هذه العلاقة على تفسير جانب من التنافس بين المناطق الصينية على جذب الاستثمارات وتطوير الصناعة وتحسين البنية الأساسية لكن نجاح هذه الآلية يتطلب وجود رقابة فعالة وقواعد واضحة حتى لا يتحول التنافس إلى وسيلة لإهدار الموارد أو نقل الأعباء إلى مناطق أخرى
يبرز هنا دور المؤسسات الانتقالية التي تتلاءم مع الظروف الفعلية للمجتمع خلال مرحلة الإصلاح فليس من الضروري أن يبدأ الاقتصاد بنظام مؤسسي مكتمل حتى يحقق تقدمًا ملموسًا بل يمكن بناء ترتيبات مرحلية تسمح بظهور المنافسة وتوسيع المبادرة الاقتصادية ثم تطوير تلك الترتيبات مع تغير الظروف واكتساب الخبرة وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يرفض الاعتقاد بأن التنمية تحتاج إلى استنساخ مؤسسات دولة أخرى بكل تفاصيلها كما يرفض في الوقت نفسه استخدام الخصوصية المحلية ذريعة لعدم تحسين الكفاءة أو تأجيل الإصلاح
تضع هذه الرؤية الدول النامية أمام سؤال يتجاوز حجم الاستثمار المتاح إلى طبيعة البيئة التي تستقبل ذلك الاستثمار فالأموال لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية ما لم تتوافر مؤسسات قادرة على توجيهها نحو مشروعات منتجة وإدارة المنافسة وتطوير المهارات وربط القرارات بالمعلومات الفعلية ويصبح الإصلاح أكثر قدرة على الاستمرار عندما تتكامل السياسات الاقتصادية مع بنية إدارية تستطيع التنفيذ والتقييم والتصحيح بدلًا من الاكتفاء بالتخطيط النظري
لا تخلو التجربة من تحديات جوهرية فالنمو السريع لا يضمن توزيعًا متوازنًا للمكاسب كما أن التنافس بين المناطق قد يؤدي إلى اختلالات مالية وإنتاجية وقد تؤدي ترتيبات الملكية غير الواضحة إلى مشكلات في المساءلة وحماية الحقوق ولهذا لا ينبغي التعامل مع التجربة الصينية باعتبارها وصفة جاهزة للنجاح وإنما باعتبارها مادة لفهم كيفية تفاعل المؤسسات مع الحوافز والظروف التاريخية والقيود السياسية والاقتصادية
تتجاوز القيمة الحقيقية لهذا العمل حدود الصين لأنه يطرح طريقة مختلفة للتفكير في التنمية تقوم على البحث عن المسار الممكن بدلًا من انتظار النموذج المثالي فالدولة التي تسعى إلى الإصلاح تحتاج إلى فهم المؤسسات التي تمتلكها بالفعل وتحديد مواطن القوة والخلل فيها ثم تصميم خطوات قابلة للتطبيق والقياس والتطوير وتصبح التنمية بهذا المعنى عملية بناء مستمرة تتغير فيها القواعد مع تغير الاحتياجات وتتحدد فيها قيمة السياسات بقدرتها على تحسين الإنتاجية وتوسيع الفرص وخلق اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا
البطاقة التعريفية
العنوان: كيف نجح الإصلاح في الصين
العنوان الأصلي: How Reform Worked in China The Transition from Plan to Market
المؤلف: يينغي تشيان
دار النشر: مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الورقية
سنة النشر: 2017
عدد الصفحات: 412 صفحة
ISBN: 9780262534246







