تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
يطرح تقرير «سوق عمل قائم على المهارات أولا» الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عام 2026، فكرة مهمة تتعلق بمستقبل التوظيف، وهي أن المهارات الفعلية التي يمتلكها الإنسان يجب أن تحظى باهتمام أكبر عند التعيين والتدريب والترقي، بدلًا من الاعتماد على الشهادات الدراسية والمسميات الوظيفية وحدها.
ينطلق التقرير من واقع يتغير بسرعة، نتيجة التطور التكنولوجي والتحول الرقمي والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية، إلى جانب ظهور وظائف جديدة وتغير متطلبات الوظائف الموجودة بالفعل. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد الحصول على شهادة دراسية كافيًا في جميع الحالات لضمان الحصول على فرصة عمل مناسبة، كما أن بعض أصحاب الأعمال يواجهون صعوبة في العثور على أشخاص يمتلكون المهارات التي تحتاج إليها مؤسساتهم.
وفي المقابل، يوجد أشخاص لديهم خبرات عملية وقدرات جيدة اكتسبوها من التدريب أو الممارسة أو التعلم الذاتي، لكنهم لا يحصلون دائمًا على فرص مناسبة؛ لأن مؤهلاتهم الرسمية لا تعكس بصورة كاملة ما يستطيعون القيام به.
من هنا يدعو التقرير إلى بناء سوق عمل يمنح المهارات المثبتة مكانة أساسية في تقييم المتقدمين للوظائف، مع الاحتفاظ بأهمية التعليم والشهادات باعتبارهما وسيلتين مهمتين لبناء المعرفة وتنظيمها وإثباتها.
ولا تعني هذه الفكرة الاستغناء عن الجامعات أو التقليل من قيمة المؤهلات العلمية، وإنما تعني النظر إلى الشهادة باعتبارها جزءًا من صورة أكبر، تضم الخبرة والقدرات العملية والمهارات الرقمية والقدرة على حل المشكلات والتعلم المستمر.
ويركز التقرير كذلك على ضرورة أن تكون المهارات قابلة للتحديد والتقييم والاعتراف بها، حتى يتمكن صاحب العمل من معرفة قدرات المتقدم بصورة أوضح، ويستطيع الفرد الانتقال بين الوظائف والقطاعات المختلفة بناءً على ما يمتلكه من خبرات وكفاءات.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
جاء التقرير في وقت تواجه فيه أسواق العمل تحديات متزايدة، من بينها صعوبة العثور على الكفاءات المناسبة لبعض الوظائف، وعدم الاستفادة الكاملة من قدرات عدد من العاملين، إلى جانب التغير المستمر في المهارات المطلوبة داخل المؤسسات.
فالتطور التكنولوجي، وانتشار الأدوات الرقمية، والتحولات التي تشهدها قطاعات الإنتاج والخدمات، كلها عوامل تجعل بعض المهارات أكثر أهمية، بينما تتراجع الحاجة إلى مهارات أخرى أو تتغير طبيعة استخدامها.
وفي هذه البيئة، قد لا تكون أنظمة التوظيف التقليدية قادرة وحدها على اكتشاف جميع المواهب المتاحة؛ إذ يمكن أن تستبعد بعض المتقدمين بسبب عدم امتلاكهم شهادة محددة، حتى لو كانوا قادرين على أداء العمل المطلوب بكفاءة.
لذلك يسعى التقرير إلى توضيح كيفية تطوير أنظمة التوظيف والتعليم والتدريب، بحيث تصبح أكثر ارتباطًا بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وأكثر قدرة على منح الفرص للأشخاص الذين يمتلكون المهارات المناسبة.
كما يهدف إلى مساعدة الحكومات وأصحاب الأعمال والمؤسسات التعليمية على بناء سياسات متكاملة، لا تقتصر على إعداد الأفراد للعمل في وظائف قائمة، بل تساعدهم أيضًا على الاستعداد للوظائف التي قد تظهر مستقبلًا.
ويؤكد التقرير أن التحول نحو سوق عمل قائم على المهارات لا يتحقق بمجرد حذف بعض الشروط المتعلقة بالشهادات من إعلانات التوظيف، وإنما يحتاج إلى تغيير أوسع يشمل أساليب التقييم والتدريب والتوجيه المهني والاعتراف بالخبرات السابقة.
وبذلك يصبح الهدف هو تحقيق توازن بين احتياجات المؤسسات وحقوق الأفراد، وتحسين فرص التوظيف والإنتاجية، وتوسيع دائرة الأشخاص القادرين على المشاركة في النشاط الاقتصادي.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
أولًا: المهارات أصبحت عنصرًا أساسيًا في التوظيف
من أبرز الأفكار التي يناقشها التقرير أن الشهادات الدراسية وحدها لا تكشف دائمًا عن جميع القدرات التي يحتاج إليها صاحب العمل. فقد يمتلك شخص مؤهلًا أكاديميًا جيدًا، لكنه يحتاج إلى تدريب إضافي على المهام العملية، بينما يستطيع شخص آخر اكتسب خبرته من العمل أو التدريب تنفيذ المهام المطلوبة بكفاءة.
لذلك يدعو التقرير إلى إعطاء وزن أكبر للمهارات التي يستطيع المتقدم إثباتها، من خلال الاختبارات العملية والمشروعات السابقة والخبرات والتقييمات المهنية المناسبة لطبيعة الوظيفة.
ثانيًا: التعليم لا ينتهي بالحصول على الشهادة
يؤكد التقرير أهمية التعلم المستمر، لأن المعرفة والمهارات تتغير مع تطور الاقتصاد والتكنولوجيا. فالموظف الذي يعتمد على ما تعلمه في بداية حياته المهنية فقط قد يجد نفسه بعد سنوات بحاجة إلى قدرات جديدة لم تكن مطلوبة بالدرجة نفسها من قبل.
ويبرز هنا دور الدورات التدريبية القصيرة، والبرامج المتخصصة، والشهادات المصغرة التي تثبت اكتساب مهارات محددة، إلى جانب التعليم الجامعي والتدريب المهني التقليدي.
وتمنح هذه المسارات الأفراد فرصة لتحديث قدراتهم دون الاضطرار في كل مرة إلى الالتحاق ببرنامج دراسي طويل، مع ضرورة الاهتمام بجودة التدريب ومدى ارتباطه بالمهارات المطلوبة فعلًا.
ثالثًا: ضرورة وجود لغة مشتركة لوصف المهارات
يشير التقرير إلى أن اختلاف المصطلحات المستخدمة بين المؤسسات التعليمية وأصحاب الأعمال قد يصعّب عملية الربط بين ما يتعلمه الفرد وما تحتاج إليه الوظيفة.
فقد يكتسب شخص مهارة معينة ضمن برنامج تدريبي، لكن هذه المهارة لا تظهر بوضوح في سيرته الذاتية، أو لا يعرف صاحب العمل كيفية مقارنتها بالمهارات المطلوبة لديه.
ومن هنا تبرز أهمية وضع أوصاف واضحة للمهارات، وربطها بالمهن والبرامج التعليمية والتدريبية، بما يساعد على فهم متطلبات الوظائف وتحديد الفجوات التي يحتاج الأفراد إلى سدها.
وكلما أصبحت المهارات أكثر وضوحًا وقابلية للقياس والمقارنة، تحسنت قدرة المؤسسات على اختيار الموظفين المناسبين، وأصبح الأفراد أكثر قدرة على تحديد الخطوات اللازمة لتطوير أنفسهم.
رابعًا: التوظيف القائم على المهارات يوسع فرص العمل
من الأفكار المهمة في التقرير أن الاعتماد المفرط على الشهادات والخبرات التقليدية قد يحرم سوق العمل من كفاءات حقيقية.
فالشباب حديثو التخرج، والأشخاص الذين تعلموا مهاراتهم من خلال العمل، ومن يغيرون مجالاتهم المهنية، قد يمتلكون قدرات مناسبة لوظائف كثيرة، لكنهم يواجهون صعوبة في اجتياز شروط التوظيف المعتادة.
ويمكن أن يساعد تقييم المهارات بصورة مباشرة على فتح أبواب جديدة أمام هؤلاء، بشرط أن تكون إجراءات التقييم عادلة، وأن يحصل جميع المتقدمين على فرصة حقيقية لإثبات قدراتهم.
ومع ذلك، يحذر مضمون التقرير من أن إزالة شرط الشهادة وحده لا تكفي لتحقيق العدالة؛ إذ يجب أيضًا الانتباه إلى التحيزات التي قد تؤثر في اختيار المرشحين، وتوفير مسارات واضحة لاكتساب الخبرة وإثبات الكفاءة.
خامسًا: الشركات مسؤولة عن تطوير العاملين
لا يقتصر دور المؤسسات على البحث عن موظفين يمتلكون جميع المهارات المطلوبة منذ اليوم الأول، بل يمتد إلى تدريب العاملين وتحديد احتياجاتهم المستقبلية وتوفير فرص التقدم المهني لهم.
فالشركات التي تستثمر في تنمية مهارات موظفيها يمكنها الاستفادة بصورة أفضل من خبراتهم، وتقليل الفجوات بين قدراتهم الحالية ومتطلبات العمل، وتهيئتهم لتولي مسؤوليات جديدة.
كما يساعد هذا التوجه على تحسين استخدام الموارد البشرية داخل المؤسسة، بدلًا من الاعتماد المستمر على تعيين أشخاص جدد كلما ظهرت حاجة إلى مهارات إضافية.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه صعوبات في توفير برامج تدريب متخصصة أو تطبيق أنظمة متقدمة لإدارة المهارات، وهو ما يجعل الدعم الحكومي وتبادل الخبرات أمرين مهمين.
سادسًا: التوجيه المهني يساعد الأفراد على اتخاذ قرارات أفضل
يمنح التوجيه المهني الأفراد فرصة لفهم احتياجات سوق العمل، والتعرف على المجالات التي تتوافر فيها فرص مناسبة، وتحديد المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها قبل اتخاذ قرارات تتعلق بالدراسة أو التدريب أو تغيير الوظيفة.
ويؤكد التقرير أهمية ربط المعلومات المتعلقة بالوظائف والمهارات بالاختيارات التعليمية والمهنية، حتى لا يتخذ الفرد قراراته بناءً على توقعات غير دقيقة أو معلومات قديمة.
ومن الوسائل التي يناقشها التقرير جوازات المهارات، التي يمكن أن تجمع معلومات موثقة عن الخبرات والتدريب والمهارات التي اكتسبها الفرد، بما يسهل مشاركتها مع أصحاب الأعمال والجهات التدريبية ومستشاري التوظيف.
كما يبرز دور الاعتراف بالتعلم السابق، بحيث لا تُهمل الخبرات التي اكتسبها الفرد خارج المسارات التعليمية التقليدية، متى أمكن تقييمها والتحقق من مستواها وفق معايير واضحة.
سابعًا: التعاون بين الحكومة والتعليم والشركات ضرورة
يوضح التقرير أن بناء سوق عمل قائم على المهارات مسؤولية مشتركة، لا تستطيع جهة واحدة إنجازها بمفردها.
فالحكومات تستطيع وضع السياسات والمعايير وتوفير البيانات والدعم اللازم، بينما تعمل المؤسسات التعليمية ومراكز التدريب على تطوير برامجها بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد، ويشارك أصحاب الأعمال في تحديد المهارات المطلوبة وتوفير فرص التطبيق العملي.
ويساعد هذا التعاون على تقليل الفجوة بين التعليم والتوظيف، وتحسين فرص انتقال الأفراد من التدريب إلى العمل، ورفع قدرة الاقتصاد على التعامل مع التغيرات المستقبلية.
ويعرض التقرير تجارب وممارسات من دول مختلفة، من بينها اليابان والولايات المتحدة وفرنسا وسنغافورة وألمانيا، لتوضيح بعض الطرق التي يمكن من خلالها تطوير المسارات المهنية والاعتراف بالمهارات وتعزيز التنسيق بين الأطراف المعنية.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب التقرير مجموعة واسعة من القراء، في مقدمتهم الشباب الباحثون عن فرص عمل، وحديثو التخرج الذين يسعون إلى فهم المتطلبات الجديدة للتوظيف، والأشخاص الذين يرغبون في تغيير مسارهم المهني أو تطوير قدراتهم الحالية.
كما يفيد العاملين الذين يريدون معرفة كيفية الحفاظ على فرصهم المهنية في ظل التغيرات التكنولوجية، من خلال تحديد المهارات التي يحتاجون إلى تعلمها والاستثمار في تطويرها بصورة مستمرة.
ويقدم التقرير مادة مهمة لأصحاب الشركات ومسؤولي الموارد البشرية، لأنه يساعدهم على إعادة النظر في أساليب اختيار الموظفين وتقييمهم وترقيتهم، والبحث عن طرق أكثر دقة لاكتشاف الكفاءات والاستفادة منها.
كذلك يناسب المسؤولين عن التعليم والتدريب وصناع السياسات الاقتصادية، والباحثين والطلاب المهتمين بقضايا التشغيل والإنتاجية والتنمية، لما يتضمنه من تحليل للعلاقة بين التعليم والمهارات واحتياجات سوق العمل.
ولا يقتصر الاهتمام به على المتخصصين، بل يمكن أن يستفيد منه كل شخص يريد فهم أسباب تغير شروط الحصول على الوظائف، وكيفية الاستعداد لمتطلبات العمل في السنوات المقبلة.
مميزات الكتاب:
يتميز التقرير بأنه يتناول قضية عملية تمس حياة الأفراد والمؤسسات، ويربط بين التعليم والتدريب والتوظيف بدلًا من التعامل مع كل مجال بصورة منفصلة.
كما يقدم رؤية واسعة لا تركز على مسؤولية الباحث عن العمل وحده، بل توضح دور الشركات والمؤسسات التعليمية والحكومات في بناء منظومة تساعد على اكتساب المهارات وإثباتها والاستفادة منها.
ومن مميزاته أيضًا الاهتمام بالتعلم المستمر، باعتباره ضرورة مهنية وليست مجرد خطوة إضافية يمكن الاستغناء عنها، إلى جانب طرح وسائل عملية مثل الشهادات المصغرة وجوازات المهارات والاعتراف بالتعلم السابق.
ويستند التقرير إلى تجارب وسياسات من دول مختلفة، وهو ما يساعد على فهم تنوع الأساليب المستخدمة في تطوير أنظمة التوظيف والتدريب، مع إمكانية الاستفادة من هذه التجارب عند وضع حلول تناسب ظروف كل دولة.
ومن الجوانب المهمة كذلك أنه لا يقدم التوظيف القائم على المهارات باعتباره حلًا سحريًا لجميع مشكلات سوق العمل، بل يشير إلى ضرورة توفير معايير عادلة للتقييم، ومعالجة التحيزات، وتوسيع فرص التدريب، وتحسين التعاون بين الجهات المختلفة.
ومع ذلك، فإن تطبيق هذه الأفكار يحتاج إلى وقت واستثمارات وتنظيم واضح، كما يتطلب التأكد من أن وسائل قياس المهارات موثوقة، وأن الشهادات المصغرة والاختبارات العملية تعكس الكفاءة الحقيقية ولا تتحول إلى شروط جديدة تعوق فرص بعض الفئات.
قراءة صحفية…
تكمن أهمية التقرير في أنه يطرح سؤالًا يتجاوز حدود التوظيف التقليدي: هل نبحث عن الشخص الذي يحمل المؤهل المناسب على الورق، أم عن الشخص الذي يمتلك القدرات التي يحتاج إليها العمل بالفعل؟
والإجابة لا تعني الاختيار بين التعليم والمهارات، لأن الاثنين يكمل أحدهما الآخر. فالتعليم الجيد يمنح الإنسان المعرفة والأساس العلمي، بينما تساعده الممارسة والتدريب على تحويل هذه المعرفة إلى قدرة عملية يمكن الاستفادة منها في مواقف حقيقية.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الشهادة هي المعيار الوحيد للحكم على الكفاءة، أو عندما تتخرج أعداد كبيرة من الطلاب دون امتلاك المهارات التي تتطلبها الوظائف المتاحة. في هذه الحالة، يخسر الفرد فرصة مناسبة، وتخسر المؤسسة كفاءة كان يمكنها الاستفادة منها، ويخسر الاقتصاد جزءًا من قدرته على الإنتاج والنمو.
وتزداد أهمية هذه القضية في المجتمعات التي يواجه فيها الشباب منافسة قوية على الوظائف، وتحتاج فيها المؤسسات إلى تحسين الإنتاجية وتطوير أساليب العمل. فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن المؤهل وسنوات الخبرة، يمكن أن تتجه المؤسسات إلى تقييم قدرة المتقدم على حل المشكلات، واستخدام التكنولوجيا، والتواصل، والعمل ضمن فريق، وتنفيذ المهام المطلوبة.
وفي المقابل، يحتاج الشباب إلى تغيير نظرتهم إلى الاستعداد للعمل. فالحصول على شهادة جامعية لا ينبغي أن يكون نهاية رحلة التعلم، كما أن الالتحاق بدورة تدريبية لا يضمن وحده الحصول على وظيفة. الأهم هو اختيار المهارات التي يحتاج إليها المجال المستهدف، والتدرب عليها، والقدرة على إثباتها من خلال مشروعات عملية أو خبرات أو تقييمات موثوقة.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات التعليمية في تطوير برامجها، ومسؤولية الشركات في توضيح متطلبات الوظائف وتدريب العاملين، ومسؤولية الجهات الحكومية في توفير معلومات دقيقة عن سوق العمل وإتاحة فرص التدريب والتأهيل.
ومن المهم أيضًا ألا يتحول الحديث عن المهارات إلى وسيلة لتبرير إهمال التعليم أو تقليل قيمة المؤهلات المتخصصة. فهناك مهن تحتاج إلى دراسة أكاديمية عميقة وتراخيص رسمية، ولا يمكن الاستغناء عن شروطها العلمية والمهنية. المطلوب هو أن تتناسب متطلبات كل وظيفة مع طبيعتها، وأن تُمنح المهارات الفعلية وزنًا عادلًا إلى جانب المؤهلات اللازمة.
وتبقى العدالة عنصرًا أساسيًا في هذا التحول؛ لأن فرص اكتساب المهارات ليست متساوية بين جميع الأفراد. فهناك من يستطيع تحمل تكلفة التدريب والحصول على أدوات حديثة، وهناك من يحتاج إلى دعم أكبر للوصول إلى هذه الفرص. لذلك، فإن بناء سوق عمل أكثر اعتمادًا على المهارات يجب أن يترافق مع توفير مسارات تعليم وتدريب ميسرة، حتى لا تتحول الفكرة إلى امتياز جديد لمن يمتلكون الموارد فقط.
أخيرًا..
يقدم تقرير «سوق عمل قائم على المهارات أولًا» رؤية لمستقبل تصبح فيه القدرات الفعلية للأفراد أكثر حضورًا في قرارات التوظيف والتدريب والترقي، دون إلغاء أهمية الشهادات والتعليم الرسمي.
وتقوم الفكرة الأساسية على أن سوق العمل يحتاج إلى أشخاص قادرين على التعلم والتكيف وتطوير أدائهم، كما يحتاج إلى مؤسسات تستطيع اكتشاف هذه القدرات وتوظيفها بصورة عادلة وفعالة.
وبينما تتغير الوظائف وتتجدد متطلباتها، يصبح الاستثمار في المهارات مسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة التعليمية وصاحب العمل والدولة. فالمستقبل لا يعتمد فقط على ما تعلمه الإنسان في الماضي، بل يعتمد أيضًا على قدرته على مواصلة التعلم، وإثبات كفاءته، واستخدام معرفته في مواجهة تحديات الواقع.
ومن هنا، فإن الرسالة الأهم للتقرير هي أن الشهادة تظل مهمة، لكن قيمتها في سوق العمل تزداد عندما ترتبط بمهارات واضحة وقدرات قابلة للتطبيق والتطوير.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: سوق عمل قائم على المهارات أولًا (A Skills-First Labour Market).
المؤلف: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
دار النشر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD Publishing).
بلد النشر: فرنسا – باريس.
الطبعة: الطبعة الأولى، 2026.
سنة النشر: 2026.
عدد الصفحات: 104 صفحات.
رقم الإيداع: 978-92-64-65442-6
ISBN: 978-92-64-65442-6







