التفاوت أصل.. قراءة لكتاب “السنن النفسية لتطور الأمم” 

تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
يعتبر هذا الكتاب هو خلاصة ما كتبه جوستاف لوبون في كتبه الأخرى عن الحضارات. يبين فيه أن هناك عوامل نفسية ثابتة تسيطر على حياة الأمم وتطورها، بالإضافة إلى بعض المؤثرات التي تظهر نتيجة هذا التقدم، موضحًا أن العرق هو روح تلك الأمم، كما أن هناك العديد من المبادئ التي تقوم عليها الحضارة والتي اعتبرها المظهر الخارجي لروح الأمة، وتأثير الأفكار وطريقة تكوينها في المجتمعات، كما أنه يؤكد في كتابه أن الأصل هو التفاوت بين البشر لا المساواة.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
1- مبادئ المساواة في الزمن الحاضر وعوامل التاريخ النفسية: كل أمة تقوم على مجموعة من الأسس الثابتة والتي تأخذ وقتًا طويلًا لإنشاءها، وبالتالي أي محاولة لتغييرها تأخذ وقتًا أطول بكثير، وعلى الرغم من ظهور خطأ بعض تلك الأسس عند المثقفين، إلا أنها تجد صعوبة في تغييرها عند الجماعات لأنها أصبحت من الحقائق الراسخة في حياتهم.
2- روح العروق: لكل أمة صفات خاصة بها تميزها عن غيرها، وحاول البعض تقسيم البشر لأنواع من خلال الصفات التشريحية الواضحة فقط، كـ (البيض – والزنوج – والصُفر )، وفي هذا التقسيم تناسوا أنه في أحيان كثيرة يكون هناك تقارب جسماني بين الأمم ولكن هناك أيضًا اختلافات كبيرة من الناحية النفسية والشعورية، ويظهر ذلك واضحًا في تاريخ كل أمة وحضارتها وفنونها ومعتقداتها، ومن خلال الصفات الأخلاقية التي تظهر في تلك النواحي تتكون في النهاية روح العرق، وكلما تكونت تلك الصفات ببطئ أصبحت ثابتة أكثر وتعطى الأمة قوة وعظمة أكبر مثل إنجلترا وروما القديمة.
3- العروق والوحدة: الأمم التي تتكون من عروق مختلفة يكون من الصعوبة دمجها، لأن لكل منها مشاعرها وأفكارها المختلفة، فلكي تستطيع أمة أن تتوحد وتمتزج يجب أن تكتسب ثلاث صفات أساسية: (وحدة المشاعر – وحدة المصالح – وحدة العقائد)، وكانت البداية لوجود هذه الفكرة منذ الأسرة، ثم انتقلت إلى القرية فالمدينة، حتى وصلت لفكرة القومية أو الوطنية المتعارف عليها الأن، ولا يؤثر كبر أو صغر الأمم في فكرة الوحدة، فكم من أمم صغيرة استطاعت أن تتماسك وتتوحد وتبني حضارة عريقة، والبعض الأخر ظل في صراعه المستمر وحروبه التي لا تنتهي مع بعضهم البعض كالأغارقة مثلًا.
4- حدود تغيُّرأخلاق العروق: إن الأمم متغيرة، تلك هي القاعدة الأساسية، ولكن ما سر تلك التغييرات وأسبابها؟ وهل يؤثر في صفاتها النفسية؟، إن الصفات النفسية كالصفات التشريحية ثابتة وأساسية، حتى لو أصابها بعض التغييرات الثانوية الخارجية، على عكس المزاج النفسي والذي يحمل أيضًا صفات أساسية، ولكنه قابل للتغيير من خلال البيئة او التربية أو الأحداث الفجائية كالأزمات السياسية والدينية الكبيرة، والتي يظهر فيها صفات خلقية غريبة عن أهلها، ولكنها سرعان ما تزول، فهذه التغييرات ليست عميقة، ولا تغير في ثوابت الصفات النفسية للأمم، ولكنها ظاهرة عارضة، مثلها كمثل الرجل إذا جاع قد يقترف أفظع الجرائم.
5- نظام مراتب العروق النفسي
إن محاولة تقسيم الصفات النفسية للعروق مسألة ليست سهلة بسبب التفاصيل الدقيقة والكثيرة، والاختلافات الكبيرة بين الأمم والأشخاص، ولكن إذا نظرنا إلى الصفات الثابتة والأساسية والتي يمكن تطبيقها على كثير من الأمم، يمكننا حصرها في أربعة أقسام:
أولهم العروق الابتدائية هي التي لا يوجد بها أي أثر للثقافة وظلت على بدائيتها كالإستراليين في الوقت الحاضر، ثم تأتي فوقها العروق الدنيا وهي عروق لديها قدر بسيط جدًا من الحضارة وإن كانت حضارة غليظة تتمثل في الزنوج مثلًا، ثم العروق الوسطى فهم الذين كونوا حضارات راقية كالصينين والعرب والآشوريين وغيرهم، وتأتي أخيرًا العروق العليا وهي الأمم التي استطاعت أن تخترع في المجالات المختلفة كالأمم الهندية الأوروبية.
ولكل قسم من هذه الأقسام خصائصه النفسية التي تميزه، فلا يمكن المزج بينهم، كما أنه من الصعب تقسيمهم إلى أقسام ثانوية، لأن هذا يحتاج إلى تفاصيل داخلية دقيقة جدًا، فيتوجب علينا أن يؤخذ كل شعب على حدة ويتم تحديد صفاته وأخلاقه.
6- التعليم والهوة النفسية بين الأمم: الهوة النفسية بين هذه الأقسام كبيرة جدًا، ولكن يمكننا أن نصف أصحاب العروق الإبتدائية والدنيا أنهم عاجزون عن التعقل ويفتقدون لروح النقد، ويسيطر عليهم التقليد، كما يتصفون بضعف الانتباه والتأمل، وبتقلب دائم في الأخلاق، وليس لديهم نظرة مستقبلية وبالتالي محكوم عليهم أن يظلوا متخلفين عن ركب الحضارة، وهم بذلك يختلفون تمامًا عن العروق العليا التي تتميز بالخلق والذكاء والثبات والنشاط، ولديهم قدرة على ضبط النفس، والأدب الذي أصبح دليلًا على عظمة أمة من عدمها.
7- تفاوت الأفراد والعروق التدريجي: إن نظريات المساواة تقول إن تقدم الحضارة يكون سببًا في تساوي الأفراد ولو ذهنيًا، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فكلما تقدمت الحضارة كلما ساعدت على التفاوت بين الناس، ويظهر أيضًا بين الجنسين وخاصة في العروق العليا، ففي العروق الدنيا قد تجد تشابه في أخلاقهم النفسية وصفاتهم وتفكيرهم، وحتى عندما بدأت الثورة الصناعية نجد أن الفرد في العروق الدنيا يعمل في وظيفة واحدة بشكل ثابت بآلة ثابتة لا تتغير، فتحط تدريجيًا من ذكائه، وهذا عكس ما يحدث في الأفراد في العروق العليا التي يجبرهم التقدم على البحث ومحاولة المبادرة والإختراع، فدماغه يعمل باستمرار.
ولكن هناك أسباب وقفت كحاجز دون أن يتزايد هذا التفاوت بشكل كبير، أولها أن هذا التفاوت لا يكون إلا في الذكاء وليس الخلق، فمهما تفاوت الأفراد في الأمة في الذكاء فإن التغيير في الخلق يظل طفيفًا، وكما قلنا سابقًا أن الخلق هو ما يؤثر على حياة الشعوب، أما ثانيًا أن الجموع تكره الأفضلية الذهنية وبالتالي تعمل على تقويضها دائمًا من خلال الثورات، أما ثالثا وهو السبب الأقوى والأهم هو منع حدوث التفاوت بين الأفراد، ومحاولة إرجاع أو إزالة الأشخاص الذين يحاولون تخطي المستوى المتوسط، فغير مسموح لهم بالتجاوز عن هذا المستوى، وهناك نظرية قديمة تقول إن أبناء الأسر الرفيعة الذكاء تفسد عاجلًا، وهذا الفساد يؤدي إلى زوالها التام.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب كتاب “السنن النفسي لتطور الأمم المتحدة” المفكر والطبيب فرانسيس غوستاف القراء والمهتمين بالعلوم الإنسانية.
مميزات الكتاب:
يعتمد الكتاب على الخبرات العلمية ودراسة التاريخ لا اشتقاق الجينات النفسية التي تحكم تصاعديا وازدهارها أو هبوطها وانحلالها.
قراءة صحفية… لكل عرق مزاج خاص به وصفات نفسية ثابتة مثل الصفات التشريحية تنتقل عن طريق الوراثة، والإنسان ممثل لعرقه، فإذا ذهبت لمدينة غريبة عنك فأول ما ستلاحظه هو الصفات المشتركة بين الجميع لتكرارها أمامك، تلك الصفات يمكن تطبيقها على المدينة ككل، ولكنها تصبح خاطئة إذا تم تطبيقها على فرد بعينه، لأن هنا تظهر الإختلافات الفردية، فالإنسان يؤثر في سير حياته 3 مؤثرات رئيسية، أولهم الأجداد ويعتبر المؤثر الأقوى، وثانيهم الأباء المقربين، وثالثهم البيئة والتي يظن الكثيرين أنها صاحبة التأثير الأكبر ولكن الحقيقة أنها الأضعف، فالإنسان يظل تحت سيطرة الموتى والأجداد ومعتقداتهم وآرائهم مهما طال الزمن ومن الصعوبة أن يتحرروا من تلك السيطرة لأنها ترسخت داخلهم عبر الأجيال.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: السنن النفسية لتطور الأمم
المؤلف: جوستاف لوبون
دار النشر: مؤسسة هنداوي
بلد النشر: مصر
الطبعة: المترجمة
سنة النشر: 2012
عدد الصفحات: 200 صفحة
رقم الإيداع: غير متوافر
ISBN: 9789779912196

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *