تمهيد
هناك كتب تُعلَّق على رفّ المكتبة بفخر، وكتب أخرى تُقرأ في الخفاء ثم تُعاد إلى مكانها بسرعة كأن شيئاً لم يكن. “قوانين القوة الثمانية والأربعون” من النوع الثاني بامتياز. وصفته صحيفة “صنداي تايمز” ذات يوم بأنه “إنجيل الطعن في الظهر” في هوليوود، ومع ذلك يعترف به من تعثّروا على أبواب السلطة، من مديرين تنفيذيين إلى نجوم موسيقى، ولو همساً. فما سرّ كتاب يخجل منه قراؤه ويشتريه الملايين؟
ماذا يريد الكاتب؟
يقدّم روبرت غرين كتابه كدليل لثلاثة أصناف من الناس: من يريد القوة، ومن يريد أن يفهم كيف تعمل، ومن يريد أن يحمي نفسه ممن يستخدمونها ضده. وحجّته الأساسية أن القوة في ذاتها ليست خيراً ولا شراً، بل لعبة قديمة لها قواعد لا تتغير، وأن الجاهل بقواعدها لا يخرج منها بريئاً، بل يخرج مهزوماً. ولهذا يصرّ على أن قوانينه تصف الواقع كما هو، ولا تدعو أحداً إلى أن يتصرف بهذه الطريقة.
لماذا هذا الكتاب؟
بدأت الحكاية في إيطاليا عام 1995، حين التقى غرين، وكان يعمل كاتباً في مدرسة فنون وإعلام تُدعى “فابريكا”، بناشر مستقل اسمه يوست إلفرز، فعرض عليه فكرة كتاب عن القوة. وكان غرين قد خرج من تجارب مريرة في هوليوود والصحافة رأى فيها مناورات صغيرة وكبيرة يمارسها الناس بابتسامة، دون أن يسمّيها أحد باسمها. فقرر أن يجمع ما لاحظه مع دروس التاريخ، من بلاطات الملوك إلى جنرالات الحروب وأصحاب الحيل، ويصوغه في ثمانية وأربعين قانوناً.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
- لكل قانون فصل مستقل، يبدأ بعنوان قصير وحكم موجز، ثم يمضي إلى قصص تاريخية تُظهر من التزم بالقانون فنجا أو ربح، ومن خالفه فخسر.
- يختم كل فصل بقسم عن “مفاتيح القوة” يشرح كيف يُطبَّق القانون عملياً، وبقسم عن “الانعكاس” يبيّن الحالات التي يصبح فيها عكس القانون هو الصواب.
- القانون الأول، “لا تتفوق على سيدك”، يحذّر من أن إبهار من هم أعلى منك قد يوقظ خوفهم، وفيه يُروى كيف أهدى غاليليو اكتشافه لعائلة ميديتشي حتى يجعلها هي الأولى بالمجد.
- القانون الثالث يدعو إلى إخفاء النوايا، والسادس إلى جذب الانتباه بأي ثمن، والخامس والعشرون إلى إعادة اختراع الذات.
- القانون الثامن والأربعون، “اتخذ شكلاً بلا شكل”، يدعو إلى المرونة التامة، ومن أمثلته المحارب الياباني موساشي الذي لم يقاتل خصمين بالطريقة نفسها.
- تتنوع الشخصيات في الكتاب تنوعاً مدهشاً: ملوك وكرادلة، وفلاسفة وفنانون، ومحتالون وزعماء عصابات، يجمعهم أنهم تعاملوا مع القوة بشكل من الأشكال.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الموظف الذي يجد نفسه وسط تنافسات مكتبية لا يفهم قواعدها، والمدير الذي يريد قراءة المشهد من حوله بعين أبرد، والقارئ المحب لقصص التاريخ الذي سيجد في الكتاب مكتبة صغيرة من الحكايات. كما يناسب من يريد أن يتعلم كيف يميّز المتلاعب قبل أن يقع في شباكه. أما من يبحث عن مرشد أخلاقي يهديه إلى كيف يعيش حياة طيبة، فالأفضل أن يطلب ذلك في مكان آخر.
مميزات الكتاب:
أول ما يلفت الانتباه نظام الكتاب. كل فصل يسير على القالب نفسه، فيمكنك أن تفتح أي قانون وتقرأه منفرداً دون أن تضيع، ثم تعود إليه كلما احتجت. والميزة الثانية ثراء الحكايات، فالتاريخ هنا لا يُروى كمحاضرة بل كمشاهد حيّة فيها الطمع والخوف والخديعة والسقوط المفاجئ. والميزة الثالثة، وهي الأذكى في تقديري، قسم “الانعكاس” الذي يعترف بأن لا قانون مطلق، وأن المهارة الحقيقية ليست في حفظ القوانين بل في معرفة متى يصلح العكس.
قراءة صحفية:
يمكن قراءة هذا الكتاب بطريقتين، وكل طريقة تقودك إلى مكان مختلف. الطريقة الأولى أن تتعامل معه كوصفة: تحفظ القوانين وتجرّبها على زملائك. وهنا يظهر الخطأ سريعاً، لأن أغلب الأمثلة جاءت من بلاطات ملكية ومعارك قديمة، حيث كان الخطأ يُكلّف الرأس، أما في مكتب عادي فتتحول الألعاب الكبيرة إلى مسرحية صغيرة مضحكة، أو إلى سمّ يُفسد الثقة بينك وبين من تعمل معهم. ولذلك لا عجب أن يرى فيه بعض النقاد كتاب إرشاد لأصحاب القلوب الباردة.
الطريقة الثانية أذكى وأنفع: أن تقرأه بوصفه خريطة للدفاع. فحين تعرف كيف يبدو من يخفي نواياه، ومن يطلب الانتباه ليغطي على فراغه، ومن يدّعي الصداقة وهو يحسب المكاسب، تصبح أقل عرضة للخديعة. وبهذا المعنى يشبه الكتاب كتاب التشريح: لا يطلب منك أن تجرح أحداً، لكنه يريك أين تقع الأعضاء الحساسة، لتعرف كيف تحمي نفسك. وهذا في ما أظن سبب بقائه كل هذه السنين، رغم ما يثيره من انزعاج.
ومن الطريف أن الكتاب تجاوز قاعات الإدارة والسياسة إلى عوالم لا تخطر على البال. فقد ذُكر أن مغنين من نجوم الراب اقتنوه وتحدثوا عنه، وأن منتجَين موسيقيَّين معروفَين، هما دي جي بريمير وكالفن هاريس، وشما على جسديهما رموزاً مستوحاة منه. وهذا يدل على أن جاذبيته ليست في نصائحه العملية وحدها، بل في الشعور الذي يمنحه لقارئه بأنه اطّلع أخيراً على الجانب الذي لا يُقال علناً من لعبة الحياة.
وللإنصاف، فإن غرين نفسه يترك لك هامشاً للتفكير. فكثرة الانعكاسات في فصوله تعني أنه لا يطلب الطاعة العمياء، بل يدعوك إلى الحذر والتمييز. غير أن الحياة التي تُبنى كلها على الحسابات والأقنعة تدفع ثمناً لا تذكره الكتب: أن تفقد الناس الذين يصدقونك دون مقابل. ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ هو أن يعرف هذه القوانين جيداً، ثم يختار بوعي أيها لا يريد أن يمارسه أبداً.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
- العنوان: قوانين القوة الثمانية والأربعون (The 48 Laws of Power)
- المؤلف: روبرت غرين
- دار النشر: Penguin Books
- بلد النشر: غير متوفر بدقة كافية للتحقق
- الطبعة: Paperback (النشر الأول: 1 يناير 1999)
- سنة النشر: 2000 (تاريخ هذه الطبعة: 1 سبتمبر 2000)
- عدد الصفحات: 452
- ISBN: 9780140280197







