تراهن مصر على الاستثمار الأجنبي المباشر باعتباره أحد المحركات الرئيسية لدعم النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتعزيز موارد النقد الأجنبي، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول لجذب رؤوس الأموال العالمية، وتفرض فيه المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية تحديات جديدة أمام حركة الاستثمار.
وتكشف أحدث البيانات المنشورة عن استمرار جاذبية السوق المصرية للاستثمارات الأجنبية، رغم التغيرات الكبيرة في قيمة التدفقات من عام إلى آخر، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصري على تحويل هذه التدفقات إلى مشروعات إنتاجية مستدامة، وزيادة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، بدلا من الاعتماد على الصفقات الاستثنائية.
سجلت مصر تدفقات استثمار أجنبي مباشر بلغت نحو 15.5 مليار دولار خلال عام 2025، لتحتفظ بالمركز الأول إفريقيا للعام الرابع على التوالي، وفقا لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، بحسب بيانات حكومية مصرية منشورة في يوليو 2026.
وتراجعت التدفقات مقارنة بعام 2024، الذي سجل نحو 46.6 مليار دولار، متأثرة بارتفاع استثنائي ارتبط بصفقة رأس الحكمة، وهو ما يجعل المقارنة بين العامين بحاجة إلى قراءة دقيقة، إذ لا يعكس التراجع وحده بالضرورة انخفاضا مماثلا في الاستثمارات الأساسية التي تدخل الاقتصاد.
وأوضح التقرير أن مصر ظلت أكبر وجهة للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا خلال 2025، مستحوذة على أكثر من خُمس التدفقات الوافدة إلى القارة، بينما أشار إلى تحسن التدفقات الأساسية بنحو الربع عند استبعاد أثر الصفقات الاستثنائية، وهو ما يعزز أهمية تقييم الاستثمارات وفقا لطبيعتها واستمراريتها، وليس إجمالي قيمتها فقط. <escape>[2]</escape>
على مستوى السنة المالية، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 11.1 مليار دولار خلال العام المالي السابق بعد استبعاد قيمة صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار، ونحو 10 مليارات دولار خلال العام المالي 2022/2023، وفقا لمؤشرات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، استنادا إلى بيانات البنك المركزي المصري.
وتوضح هذه الأرقام أن تدفقات الاستثمار، عند المقارنة على أساس يستبعد أثر الصفقة الاستثنائية، سجلت اتجاها تصاعديا خلال السنوات المالية الثلاث، بما يعكس أهمية استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال وتيسير إجراءات تأسيس الشركات وتوسيع فرص الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
وعلى صعيد التطورات الأحدث، سجل الاستثمار الأجنبي المباشر صافي تدفق للداخل بقيمة 9.3 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025، مقابل نحو 6 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بزيادة تقارب 55%، بحسب بيانات ميزان المدفوعات التي أعلنها البنك المركزي المصري في أبريل 2026.
وتعكس هذه الزيادة تحسنا في تدفقات الاستثمار المباشر خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، غير أن تقييم أثرها على الاقتصاد يتطلب متابعة توزيع الأموال بين تأسيس المشروعات الجديدة والتوسعات الإنتاجية والاستحواذات والاستثمارات العقارية وغيرها من الأنشطة، إلى جانب قياس ما تضيفه هذه الاستثمارات إلى فرص العمل والصادرات والإنتاج المحلي.
وتشير بيانات الهيئة العامة للاستثمار إلى أن القطاع المالي استحوذ على نحو 16.7% من صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام المالي 2024/2025، تلاه القطاع الصناعي بنسبة 16.2%، ثم القطاع العقاري بنسبة 15.4%.
ويعكس هذا التوزيع تنوع مجالات جذب رؤوس الأموال الأجنبية، لكنه يبرز في الوقت نفسه أهمية زيادة وزن الأنشطة القادرة على توسيع القاعدة الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية، والصناعات المغذية، والقطاعات التي تعتمد على الخامات المحلية وتستهدف الأسواق الخارجية.
فالاستثمار الصناعي لا يقتصر أثره على ضخ الأموال، وإنما يمتد إلى إقامة خطوط إنتاج جديدة، وزيادة الطلب على مستلزمات الإنتاج والخدمات اللوجستية، ورفع كفاءة العمالة، وتوفير فرص أمام الشركات المحلية للاندماج في سلاسل الإمداد المرتبطة بالشركات العالمية.
يمثل توفير النقد الأجنبي إحدى أبرز القنوات التي يمكن أن يستفيد منها الاقتصاد المصري من الاستثمار المباشر، إذ تسهم التدفقات الجديدة في تمويل المشروعات والتوسعات، كما يمكن للمشروعات الموجهة للتصدير أن تحقق موارد دولارية مستمرة مع بدء التشغيل وزيادة المبيعات الخارجية.
ويظهر الأثر الاقتصادي بصورة أكبر عندما تتجه الاستثمارات إلى أنشطة إنتاجية تحل محل الواردات أو ترفع الصادرات، وتستخدم نسبة متزايدة من المدخلات المحلية، بما يقلل الضغط على العملة الأجنبية ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
كما يمكن للاستثمارات الأجنبية أن تسهم في نقل التكنولوجيا وأساليب الإدارة الحديثة، وتطوير مهارات العاملين، ورفع الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، بشرط أن تتضمن المشروعات روابط حقيقية مع الموردين المحليين، وبرامج للتدريب والتطوير، وخططا واضحة لزيادة المكون المحلي.
رغم أهمية ارتفاع الاستثمارات الأجنبية، فإن حجم التدفقات وحده لا يكفي للحكم على مدى نجاح السياسات الاستثمارية، إذ تختلف آثار شراء أصل قائم عن إنشاء مصنع جديد، كما تختلف الاستثمارات التي تحقق إيرادات تصديرية منتظمة عن المشروعات التي يعتمد عائدها أساسا على السوق المحلية.
وتتطلب الاستفادة القصوى من الاستثمار الأجنبي تحسين استقرار السياسات الاقتصادية والتشريعية، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتوفير الأراضي الصناعية والمرافق، وتحسين كفاءة الجمارك والنقل، وتيسير حصول المشروعات على التمويل، إلى جانب ضمان المنافسة العادلة بين الشركات المحلية والأجنبية.
ويظل تطوير الصناعة المحلية عنصرا حاسما في هذه المعادلة، لأن جذب الشركات العالمية لا يحقق كامل عائده إذا ظلت نسبة كبيرة من مستلزمات الإنتاج مستوردة، أو إذا لم تنعكس الاستثمارات على زيادة الصادرات والتشغيل ونقل المعرفة إلى العمالة المصرية.
تؤكد الأرقام أن مصر ما زالت ضمن الوجهات الرئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، وأن التدفقات المسجلة خلال 2025 والنصف الأول من العام المالي 2025/2026 توفر مؤشرات مهمة على حركة رؤوس الأموال إلى السوق المصرية، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في استدامة هذه التدفقات وتعظيم مردودها الاقتصادي.
فالنجاح لا يقاس فقط بما يدخل البلاد من دولارات، بل بما ينتج عنها من مصانع تعمل، وفرص عمل مستقرة، وصادرات ترتفع، وتكنولوجيا تنتقل، وشركات محلية تنمو، وفي هذه المعادلة يصبح الاستثمار الأجنبي أداة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجا وتنافسية، لا مجرد رقم يتصدر التقارير السنوية.







