جميعنا يعاني في هذه الحياة من كثرة المحن فلا أحد يسلم منها، سواء كانت مرض، أو فشل، أو خسارة شخص عزيز، أو ظلم، وغيرها، وهنا يصبح العقل مشوشًا والقلب مفتتًا لذا يبحث كل منا عن منجى أو مخرج.
لكن في بداية الأمر عليه أن يؤمن بأن المحنة ليست عقاباً، بل مجرد اختبار لقوة إيمانك أو لطريقة تفكيرك، لذا التجاوز لا يعني أنك لم تتألم، بل يعني أن الألم لم يمنعك من الاستمرار.
وهنا يجب أن يستحضرك عند الوقوع في المحنة مواقف الأنبياء والصالحين عند وقوع المحن وكيف أنها تبدلت في نهاية الأمر إلى منح، وعليك أن تضع أمام عينيك أنك ماضٍ في طريقك دون يأس أو جزع.
فعندما تقع محنة، يدخل عقلك فيما يسميه دكتور جيفري شوارتز “مركز التحذير” وهو منطقة تطلق رسائل كاذبة، منها على سبيل المثال : “انتهيت، لن تنجح أبداً، كل شيء ضدك”، وهذه ليست حقيقتك، هذه مجرد رسائل خادعة من الدماغ.
لذا فأول خطوة للتجاوز هي أن تسميها “هذه فكرة، ليست حقيقة، هذا شعور ليس مصيري”، فعندما تفصل بينك وبين فكرتك، تفقد الفكرة سلطتها عليك، ثم بعد ذلك اطلع على المراحل الأربع لتجاوز أي محنة، وهي:
- مرحلة الصدمة والاعتراف: لا تهرب ولا تقل “أنا كويس”، لكن قل “أنا موجوع، أنا خائف، أنا متلخبط”، فالاعتراف ليس ضعفاً، هو بداية العلاج، ثم اكتب ما تشعر به في ورقة لمدة 10 دقائق بدون فلترة، وهنا ستندهش كيف يخف الحمل عندما يخرج من رأسك إلى الورق.
- مرحلة المعنى: لا تسأل “لماذا أنا؟” اسأل “ماذا تريد هذه المحنة أن تعلمني؟”، كل محنة تحمل درساً، الفشل في المشروع يعلمك التخطيط، الخيانة تعلمك اختيار الناس، المرض يعلمك قيمة الصحة، عندما تجد معنى، يتحول الألم من عبء إلى معلم، يقول فيكتور فرانكل الذي نجا من معسكرات النازية: “عندما لا نستطيع تغيير الوضع، نحن مدعوون لتغيير أنفسنا”. ابحث عن المعنى، حتى لو كان صغيراً.
- مرحلة الفعل الصغير: أكبر خطأ وقت المحنة هو انتظار الحل الكبير، فالحل الكبير لن يأتي وأنت في مكانك. ما يأتي هو فعل صغير جدا، مكسور مادياً؟ لا تفكر كيف تسدد كل الديون، فكر كيف تكسب 100 جنيه إضافية اليوم، مكسور عاطفياً؟ لا تفكر كيف تنسى كل الماضي، فكر كيف تخرج تمشي 20 دقيقة اليوم، مريض؟ لا تفكر كيف تشفى تماماً، فكر كيف تشرب ماء أكثر وتنام أفضل اليوم، وتعلم أن الفعل الصغير يعيد لعقلك شعور السيطرة، والمخ يحب السيطرة. كل فعل صغير هو رسالة لمخك تقول: “أنا لسه قادر”.
- مرحلة إعادة البناء: بعد أن تهدأ العاصفة، لا تحاول أن ترجع كما كنت، حاول أن ترجع أفضل، فالمحنة كسرت نسخة قديمة منك كانت تحتاج أن تُكسر.
ولعل في تجربة نبي الله يوسف عليه السلام وما تعرض له من الابتلاءات التي أصبحت في نهاية المطاف إلى منح ما شهده من حسد إخوته الذي دفعهم إلى إلقائه في البئر، وإبعادهم إياه عن أبيه، وبيعه بثمن بخس، واتهامهم له بالسرقة، واستعباده بمصر، وابتلاؤه بمحنة تعلق قلب امرأة العزيز واتهامها إياه، وبقاؤه في السجن بضع سنين، وهنا كانت المنح العظيمة بأن أصبح على خزائن مصر وعزيزا بها، وحينما مُكن فيها جاء إليه أهله جميعا فقال لهم قولته الشهيرة:” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم”.
وعليك أن تعلم بأن الابتلاء يرفع الله عزوجل به عباده درجات؛ لذا كان أشد الناس بلاءً الأنبياء، كما في الحديث الشريف حينما سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتَلى الناسُ على قدرِ دِينِهم، فمن ثَخنَ دِينُه اشتدَّ بلاؤه، ومن ضعُف دِينُه ابتلي على قدرِ دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة».
وهنا تذكر دوما عند الوقوع في الابتلاء ما ستلقاه من منح وأجر، فمن رحمة الله – عز وجل – تكفير ذنوب هذه الأمة بالأمراض والبلاء؛ ومهما عظم البلاء وحدث الاعتلال والمرض، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حَزَنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ).
وفي الحديث الشريف يقول النبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ عِظَمَ الْجزاءِ مَعَ عِظَمِ الْبلاءِ، وإِنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوماً ابتلاهُمْ، فَمنْ رضِيَ فلَهُ الرضَا، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ”. رواه الترمذي وقَالَ: حديثٌ حسنٌ.
وفي ذلك سلوة للمؤمن فالمصيبة تهون إذا عرف المُبتَلى الجزاء عليها، وأن في ذلك تكفيرًا لذنوبه، ومحوًا لها، حتى إذا لقي ربه – عز وجل- لقيه بلا ذنوب، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة).







