فكّر لتصبح ثرياً: حين تبدأ الثروة فكرةً في الرأس قبل أن تكون رصيداً في البنك

تمهيد

في عام 1937، وبينما كانت أمريكا لا تزال تترنح تحت وطأة الكساد الكبير، وطوابير العاطلين تمتد أمام المصانع المغلقة، صدر كتاب يقول لقرائه شيئاً يبدو وقتها أقرب إلى الاستفزاز: إن الثروة تبدأ من الفكر، وإن الإنسان الذي يعرف تماماً ما يريد ويصرّ عليه يمكنه أن يغيّر موقعه في الحياة مهما كانت ظروفه. ومنذ ذلك الحين بيعت منه ملايين النسخ حول العالم، وظل اسمه يتردد في كل نقاش عن النجاح والمال والطموح.

ماذا يريد الكاتب؟

يريد نابليون هيل أن يقدّم للقارئ ما يسميه “فلسفة الإنجاز الشخصي”، أي مجموعة مبادئ يزعم أنها المشترك بين من حققوا نجاحاً استثنائياً. فهو لا يعدك بوصفة سريعة للثراء، بل يقول إن كل إنجاز يبدأ برغبة محددة وواضحة، ثم تتحول هذه الرغبة بالإيمان والخطة والمثابرة إلى واقع. ويحاول المؤلف أن يغيّر نظرة القارئ إلى نفسه، فيقنعه بأن العائق الأكبر أمامه ليس نقص الفرص بقدر ما هو غياب الهدف المحدد والجرأة على التمسك به.

لماذا هذا الكتاب؟

يروي هيل أن فكرة الكتاب نشأت حين كلّفه الصناعي أندرو كارنيجي بتنظيم ما يمكن تسميته علم النجاح، عبر مقابلة أبرز رجال عصره من صناعيين ومخترعين ومصرفيين، ثم استخلاص القواسم المشتركة بينهم. ويذكر أن الدراسة استغرقت قرابة عشرين عاماً وشملت أكثر من خمسمئة شخصية ناجحة، من بينها هنري فورد وتوماس إديسون. وجاء الكتاب في لحظة تاريخية كان الناس فيها أحوج ما يكون إلى خطاب يعيد إليهم الشعور بأن لهم دوراً في تغيير مصائرهم، فوجد صدى واسعاً لم يتوقف حتى اليوم.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور:

  • الرغبة المحددة والملحّة هي نقطة انطلاق كل إنجاز، أما التمنّي العام فلا يغيّر شيئاً.
  • الإيمان بإمكانية تحقيق الهدف، مع ترسيخه في العقل الباطن بالتكرار والتأكيد الذاتي، شرط أساسي للاستمرار.
  • المعرفة المتخصصة والخيال والتخطيط المنظم هي الأدوات التي تحوّل الرغبة إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ.
  • القرار السريع والثابت والمثابرة في وجه الإخفاق يميزان الناجحين عن غيرهم، بحسب المؤلف.
  • قوة “العقل الجماعي” تعني الاستعانة بمجموعة من الأشخاص يعملون بتناغم نحو هدف واحد.
  • يعدّد الكتاب ستة مخاوف تعطّل الناس، هي الفقر والنقد والمرض وفقدان الحب والشيخوخة والموت، ويدعو إلى مواجهتها بدل الاستسلام لها.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب هذا الكتاب من يبحث عن دفعة تحفيزية تنقله من التردد إلى وضع هدف واضح، والمهتمين بتاريخ أدب النجاح الذي خرجت من عباءته مئات الكتب اللاحقة، وأصحاب المشاريع الناشئة الذين يريدون فهم الجانب النفسي من رحلة بناء الأعمال. كما يناسب القارئ الذي لا يمانع أن يتعامل مع الكتاب كنص تحفيزي وفلسفة شخصية، لا كدراسة علمية محكّمة.

مميزات الكتاب:

يتميز الكتاب ببنائه الواضح حول ثلاثة عشر مبدأً متسلسلاً، يمكن للقارئ أن يتابعها خطوة بعد خطوة أو يعود إلى أي منها منفرداً. كما يتميز بكثرة القصص والأمثلة التي تجعل الأفكار المجردة ملموسة، وبلغته الحماسية المباشرة التي تخاطب القارئ بصيغة التحدي والدعوة إلى الفعل. ويعدّ الكتاب أحد المراجع التأسيسية في أدب التنمية الذاتية، فمن يقرؤه يفهم جذور كثير من الأفكار الشائعة اليوم حول الأهداف والتصور الذهني والتأكيدات الإيجابية.

قراءة صحفية:

تكمن قوة الكتاب الأولى في رسالته المركزية: أن البداية الحقيقية لأي تغيير هي قرار داخلي واضح. وهذه فكرة صحيحة في جوهرها، وقد ثبتت فائدتها في مجالات كثيرة، فمن يعرف ما يريد يتخذ قرارات أكثر اتساقاً ويقاوم التشتت أكثر ممن يسير بلا وجهة. وتظهر عبقرية الكتاب التسويقية في تحويل هذه الفكرة إلى قائمة مبادئ مرقمة وسهلة التذكر، وفي ربطها بوعد كبير يلامس أحلام القراء.

غير أن القراءة الصحفية المنصفة تقتضي التوقف عند الجانب الآخر من الصورة. فالدراسة الضخمة التي يستند إليها المؤلف لم تُوثَّق بمصادر يمكن التحقق منها، وقصة تكليف كارنيجي له محل خلاف، إذ يشير كثير من الدارسين إلى غياب دليل تاريخي على علاقة وثيقة بينهما، وتُقرأ بعض الحكايات الواردة في الكتاب كأمثال تربوية أكثر منها وقائع مدققة. كما أن التركيز على قوة الفكر والرغبة قد يوحي بأن الفقر والفشل نتاج ضعف الإرادة وحده، متجاهلاً عوامل لا يملكها الفرد مثل الظروف الاقتصادية والفرص المتاحة والصدفة. وبعض فصول الكتاب، كتلك المتعلقة بالعقل الباطن والحاسة السادسة، تنتمي إلى لغة روحانية تفتقر إلى سند تجريبي.

وبين هذين الطرفين يمكن قراءة الكتاب بأفضل صورة: بوصفه نصاً تحفيزياً تاريخياً صاغ لغة النجاح في القرن العشرين، لا بوصفه برهاناً علمياً على قوانين الثراء. فهو يمنح القارئ طاقة البداية ووضوح الهدف، لكنه لا يغني عن التخطيط الواقعي والمعرفة المتخصصة والصبر الطويل، وهي أمور يؤكد هو نفسه أهميتها في مبادئه. ومن يأخذ منه روح المبادرة والإصرار، ويترك ما يخالف المنطق والتجربة، سيجد فيه قراءة تستحق وقته حتى اليوم. ولعل أصدق اختبار لقيمته أن يسأل القارئ نفسه بعد الانتهاء منه: ما الهدف الواحد المحدد الذي سأبدأ العمل عليه هذا الأسبوع؟ فإن خرج بإجابة واضحة وخطوة أولى ملموسة، فقد أدى الكتاب وظيفته، وإن خرج بحماس عام فقط، فالأرجح أن الحماس سيتبخر مع أول عقبة، كما يحدث مع كثير من كتب الإلهام.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

  • العنوان: فكّر لتصبح ثرياً (Think and Grow Rich)
  • المؤلف: نابليون هيل
  • دار النشر: غير متوفرة بدقة كافية للتحقق
  • بلد النشر: غير متوفر بدقة كافية للتحقق
  • الطبعة: Paperback (النشر الأول: 1937)
  • سنة النشر: 2016 (تاريخ هذه الطبعة: 1 أبريل 2016)
  • عدد الصفحات:233

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *