الفائدة الأمريكية على أعتاب موجة جديدة.. هل يدفع العالم ثمن معركة التضخم؟

لم تعد تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن رفع أسعار الفائدة مجرد إشارات عابرة للأسواق، بل أصبحت مؤشرا على مرحلة اقتصادية قد تتسم بمزيد من الحذر والضغوط المالية، فمع تأكيد ألبرتو موساليم، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، ضرورة تشديد السياسة النقدية مجددا لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%، وتلميح كريستوفر والر إلى زيادات إضافية وفقا للبيانات الاقتصادية، يبدو أن معركة التضخم الأمريكية لم تصل بعد إلى نهايتها.

في تقديري، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار السياسة النقدية المتشددة خلال الأشهر المقبلة، وإن لم يكن ذلك بالضرورة عبر زيادات متتالية في كل اجتماع، فالفيدرالي يجد نفسه أمام معادلة صعبة: كبح ارتفاع الأسعار دون دفع الاقتصاد الأمريكي إلى تباطؤ حاد أو إلحاق أضرار كبيرة بسوق العمل، وتشير تصريحات المسؤولين إلى أن توقيت الخطوات المقبلة سيظل رهنا بمسار التضخم والنمو والتوظيف، وليس بجدول زمني محسوم سلفا.

ومن المرجح أن تكون الأسواق المالية أول المتأثرين بهذا المسار، فارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، ويضغط على تقييمات الأسهم، خصوصا أسهم شركات التكنولوجيا والنمو التي تعتمد على توقعات الأرباح المستقبلية، كما قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل السندات والأدوات ذات العوائد المرتفعة نسبيا، ما يحد من تدفق الأموال إلى بعض الأصول الأكثر مخاطرة.

أما الدولار، فقد يستفيد من استمرار ارتفاع العوائد الأمريكية مقارنة بالاقتصادات الأخرى، بما يعزز جاذبيته لدى المستثمرين، وفي المقابل، قد يواجه الذهب ضغوطا إذا ارتفعت العوائد الحقيقية وقوة الدولار، رغم أن المخاوف الجيوسياسية والاقتصادية قد تدعم الطلب عليه باعتباره ملاذا آمنا، لذلك، لن تتحرك الأسواق في اتجاه واحد بالضرورة، بل ستتفاعل مع كل بيانات جديدة وكل إشارة تصدر عن الفيدرالي.

وعلى مستوى الاقتصادات الناشئة، تبدو المخاطر أكثر تعقيدا، فاستمرار الفائدة الأمريكية المرتفعة قد يزيد الضغوط على العملات المحلية، ويرفع تكلفة التمويل الخارجي وخدمة الديون المقومة بالدولار، كما قد يدفع بعض رؤوس الأموال إلى العودة للأسواق الأمريكية، وستجد الدول التي تعاني عجزا خارجيا أو احتياجات تمويلية كبيرة نفسها أمام خيارات أصعب بين حماية استقرار عملاتها ودعم النمو الاقتصادي.

لكن الرهان على أن رفع الفائدة سيعيد التضخم سريعا إلى المستهدف قد يكون محفوفا بالمخاطر، فأسعار الفائدة تستطيع إبطاء الطلب والائتمان، لكنها لا تعالج مباشرة اضطرابات الإمدادات أو ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الناجم عن التوترات الجيوسياسية، وإذا استمر التضخم بفعل هذه العوامل، فقد يضطر الفيدرالي إلى إبقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول، بما يزيد احتمالات تباطؤ الاقتصاد.

في المقابل، إذا أظهرت البيانات تراجعا مستداما في التضخم وضعفا واضحا في سوق العمل، فقد يتجه البنك إلى التريث بدلا من مواصلة الرفع، وهنا تكمن أهمية تصريحات والر بشأن مرونة توقيت الزيادات.

وبناء على ما سبق، يمكن القول أن الأشهر المقبلة قد تحمل مرحلة من التقلبات وعدم اليقين، لا موجة مضمونة من رفع الفائدة في كل اجتماع، وستكون قدرة الفيدرالي على تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار واستمرار النمو هي العامل الحاسم في تحديد مسار الأسواق العالمية، أما المستثمرون والحكومات، فسيكون عليهم الاستعداد لسيناريو بقاء تكلفة الأموال مرتفعة، مع تجنب بناء قراراتهم على افتراض أن خفض الفائدة بات قريبا أو أن رفعها أصبح أمرا محسوما.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *