لم يعد السؤال المطروح في سوق العمل هو «هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟»، وإنما أصبح «كيف ستتغير وظيفتي بسبب الذكاء الاصطناعي؟»، في ظل التطور المتسارع للتقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي بدأ يعيد تشكيل طبيعة العديد من الوظائف والمهام داخل قطاعات مختلفة.
ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، تتحول بعض المهام الروتينية والمتكررة إلى عمليات مؤتمتة، بينما يتزايد الطلب في المقابل على مهارات جديدة ترتبط بالتكنولوجيا وتحليل البيانات والتفكير النقدي والإبداع والقدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية.
الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 25% من الوظائف حول العالم تقع ضمن مهن لديها درجة من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي.
لكن التعرض لهذه التقنيات لا يعني بالضرورة فقدان الوظائف، إذ تشير التقديرات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تحول طبيعة الوظائف وإعادة توزيع المهام داخلها، بدلًا من اختفائها بصورة كاملة.
وتظهر مستويات التعرض بشكل أكبر في الوظائف المكتبية والإدارية، ومن بينها إدخال البيانات والسكرتارية وبعض الأعمال المحاسبية والكتابية، في الوقت الذي بدأت فيه التأثيرات تمتد أيضًا إلى وظائف مهنية وتقنية مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي واتساع نطاق استخداماته.
170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030
ورغم المخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، فإن التوقعات لا تشير إلى انكماش شامل في عدد الوظائف.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي خلق نحو 170 مليون وظيفة بحلول عام 2030، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، بما يعني زيادة صافية تقدر بنحو 78 مليون وظيفة.
وتكشف هذه الأرقام أن التحول التكنولوجي لا يعني بالضرورة خسارة جماعية للوظائف، وإنما يشير إلى تغير هيكل سوق العمل وظهور احتياجات جديدة تتطلب نوعيات مختلفة من المهارات.
المهارات.. التحدي الأكبر أمام سوق العمل
يبقى التحدي الرئيسي أمام العاملين وأصحاب الأعمال هو سرعة تغير المهارات المطلوبة.
ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف بحلول عام 2030، بينما يرى 63% من أصحاب العمل أن فجوة المهارات تمثل أكبر عقبة أمام تحول شركاتهم.
وبالتالي، تزداد أهمية القدرة على التعلم المستمر، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتفكير النقدي، والإبداع، إلى جانب القدرة على التكيف مع التغيرات المتسارعة في بيئة العمل.
مصر أمام فرصة جديدة في الاقتصاد الرقمي
وفي مصر، يمكن أن يتحول هذا التغيير في خريطة الوظائف إلى فرصة اقتصادية، خاصة مع نمو قطاع التعهيد والخدمات الرقمية.
وبحسب بيانات هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا»، بلغت صادرات مصر من خدمات التعهيد 5.2 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، فيما وصل عدد المتخصصين العاملين في الشركات المصدرة لخدمات التعهيد إلى نحو 195 ألف شخص.
ويعكس نمو هذا القطاع تحولًا تدريجيًا من الاعتماد على خدمات مراكز الاتصال التقليدية إلى خدمات ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل البرمجيات وتحليل البيانات والهندسة والخدمات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة لسوق العمل المصري، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلل الحاجة إلى تنفيذ بعض المهام المتكررة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات أكثر تقدمًا.
فجوة المهارات.. الخطر الأكبر
ولا يتمثل التحدي أمام مصر فقط في احتمال اختفاء بعض الوظائف أو تقلص بعض المهام، وإنما في احتمال اتساع الفجوة بين المهارات التي يمتلكها العاملون حاليًا وتلك التي يحتاج إليها الاقتصاد الجديد.
فالموظف الذي تعتمد طبيعة عمله بصورة أساسية على إدخال البيانات أو تنفيذ الإجراءات المتكررة سيكون أكثر تعرضًا للتحول مقارنة بموظف يمتلك القدرة على تحليل المعلومات، ومراجعة نتائج الذكاء الاصطناعي، واتخاذ القرارات، والتعامل مع العملاء.
ومن هنا، يصبح الاستثمار في التدريب وإعادة تأهيل العاملين عنصرًا أساسيًا في التعامل مع التحولات التي يشهدها سوق العمل، خاصة مع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وتوسع استخدامها في مختلف القطاعات.
من الرابح في سوق العمل الجديد؟
وتبدو الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني من المجالات المرشحة للنمو، إلا أن الفرص الجديدة لن تقتصر على المتخصصين في التكنولوجيا فقط.
فالطلب يتزايد كذلك على مجموعة من المهارات البشرية، وفي مقدمتها التفكير التحليلي، والإبداع، والمرونة، والقدرة على التعلم والتكيف.
وبذلك تتشكل معادلة جديدة في سوق العمل، لا يصبح فيها الذكاء الاصطناعي وحده هو المنافس للعامل، وإنما يصبح العامل الأكثر قدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة منافسًا لمن لا يمتلك هذه المهارات.
الاستثمار في الإنسان مفتاح الاستفادة من الذكاء الاصطناعي
وبالنسبة لمصر، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز صادرات الخدمات الرقمية، وجذب استثمارات جديدة، وخلق وظائف ذات قيمة اقتصادية أعلى.
لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تطوير منظومة التعليم والتدريب بالتوازي مع الاستثمار في التكنولوجيا، بحيث لا يقتصر التحول الرقمي على توفير الأدوات والمنصات، وإنما يمتد إلى بناء قاعدة من الكفاءات القادرة على استخدامها بكفاءة.
فامتلاك أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لن يكون كافيًا إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على تحويل هذه التقنيات إلى إنتاج وخدمات وقيمة اقتصادية.
المعركة المقبلة بين المهارات وليس الإنسان والآلة
وفي ظل هذه التحولات، لا تبدو المعركة المقبلة في سوق العمل مواجهة مباشرة بين الإنسان والآلة، بقدر ما ستكون منافسة بين من يمتلك المهارات اللازمة للعمل مع الآلة والاستفادة من قدراتها، ومن يتخلف عن متطلبات سوق العمل الجديد.
وبالنسبة لمصر، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي، وإنما بنوعية هذه الوظائف، ومدى ارتفاع قيمتها الاقتصادية، وقدرة المهارات المصرية على تحويل التطور التكنولوجي إلى فرص للنمو وزيادة صادرات الخدمات وتعزيز تنافسية الاقتصاد.







