يضم الاقتصاد المصري مساحة واسعة من الأنشطة والمشروعات التي تعمل خارج الإطار الرسمي، وهي ليست بالضرورة أنشطة هامشية أو عديمة القيمة، بل تشمل عمالا ومنشآت صغيرة ومتناهية الصغر تعمل في قطاعات متعددة، وتكشف دراسة تشخيصية لمنظمة العمل الدولية، صدرت في 2025، أن الاقتصاد غير الرسمي حاضر بقوة في قطاعات مثل الزراعة والهندسة والصناعات الغذائية والملابس الجاهزة والنقل، ما يجعل التعامل معه قضية اقتصادية تتجاوز فكرة تسجيل المنشآت أو تحصيل الضرائب.
المشكلة الأساسية أن استمرار النشاط خارج الاقتصاد الرسمي يحرم جزءا من الاقتصاد من مزايا التنظيم والتمويل والتوسع، فالمشروع غير المسجل غالبا ما يواجه صعوبة أكبر في الوصول إلى الخدمات المالية والأسواق المنظمة، كما يظل نموه محدودا بسبب عدم قدرته على بناء سجل مالي واضح أو الاستفادة الكاملة من الأدوات المتاحة للمشروعات الرسمية.
وتؤكد الأدبيات الدولية حول الاقتصاد غير الرسمي في مصر أن ارتفاع معدلات عدم الرسمية يرتبط بتحديات في الوصول إلى التمويل والحماية الاجتماعية، وهو ما يجعل دمج هذه الأنشطة جزءا من عملية الإصلاح الاقتصادي.
وتزداد أهمية المشكلة عندما ننظر إلى سوق العمل، إذ تشير البيانات الدولية إلى انتشار العمالة غير الرسمية في قطاعات متعددة من الاقتصاد المصري، بما يعكس اتساع الظاهرة وتأثيرها على سوق العمل والإنتاج، وهذا يعني أن التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي باعتباره مجرد ملف ضريبي لن يكون كافيا، لأن القضية ترتبط أيضا بقدرة الاقتصاد على توفير وظائف أكثر استقرارا وتحسين بيئة العمل ورفع كفاءة النشاط الاقتصادي.
وهنا تظهر المفارقة: النشاط غير الرسمي يوفر فرص عمل ودخلا لشرائح واسعة، لكنه في الوقت نفسه قد يحد من قدرة بعض المشروعات على الانتقال من مجرد البقاء إلى النمو والتوسع، فكلما ظل المشروع صغيرا وغير مسجل، أصبحت أمامه عوائق أكبر في الوصول إلى التمويل والاستثمار في التكنولوجيا والتدريب والأسواق الجديدة، وهو ما يصعب انتقاله إلى مستويات أعلى من النشاط.
ولهذا فإن دمج الاقتصاد غير الرسمي لا ينبغي أن يقوم على العقوبة وحدها، بل على جعل الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي أكثر فائدة وأقل تكلفة وتعقيدا، فالمشروع الصغير يحتاج إلى إجراءات تسجيل واضحة، وتمويل مناسب، وحوافز حقيقية، وخدمات تساعده على النمو، إلى جانب نظام قانوني وضريبي يمكن التعامل معه دون أعباء تفوق قدرته.
وتتوافق هذه الرؤية مع الاتجاه الأوسع في الإصلاح الاقتصادي المصري، فقد أكد صندوق النقد الدولي في 2026 أن تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة وتوسيع مساحة القطاع الخاص تعد عناصر أساسية لدعم النمو الذي يقوده القطاع الخاص ورفع الإنتاجية.
كما أشار إلى أن إصلاحات بيئة الأعمال تشمل تبسيط إجراءات التسجيل والتراخيص والجمارك وتحسين تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص.
المطلوب إذن ليس مجرد نقل الأنشطة من خانة غير رسمي إلى رسمي على الورق، وإنما بناء مسار تدريجي يجعل التسجيل بوابة للحصول على التمويل والحماية القانونية والخدمات والأسواق الجديدة، فكل مشروع صغير يتحول إلى منشأة رسمية قابلة للنمو يمكن أن يضيف إلى الإنتاج والتشغيل والحصيلة الضريبية في الوقت نفسه.
وتكمن الفرصة الحقيقية في تحويل الاقتصاد غير الرسمي من مشكلة يصعب حصرها إلى قاعدة جديدة للنمو، فبدلا من النظر إلى ملايين الأنشطة الصغيرة باعتبارها عبئا تنظيميا، يمكن التعامل معها باعتبارها طاقة اقتصادية تحتاج إلى التنظيم والتمويل والتطوير، وعندها لا يكون الهدف فقط زيادة عدد المنشآت المسجلة، وإنما زيادة قدرتها على الإنتاج والتوسع وخلق وظائف أكثر استقرارا، وهو ما يجعل دمج الاقتصاد غير الرسمي جزءا من معركة النمو الاقتصادي نفسه.







