في كتابه «سيكولوجية المال»، الذي يعرف عربيا أيضا بعنوان «علم المال»، يطرح الكاتب والمستثمر الأمريكي مورجان هاوسل فكرة بسيطة لكنها عميقة، وهي أن النجاح المالي لا يعتمد على مقدار الذكاء أو المعرفة الاقتصادية بقدر ما يعتمد على السلوك وطريقة التفكير، فالمال، في نظر هاوسل، ليس مجرد أرقام وحسابات وعوائد استثمارية، وإنما يرتبط بالخوف والطمع والطموح والصبر والتجارب الشخصية، ولهذا قد يتخذ شخصان يمتلكان المعلومات نفسها قرارات مالية مختلفة تماما، لأن لكل منهما تاريخا مختلفا ونظرة مختلفة إلى المخاطر والثروة والمستقبل.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب هاوسل الكتاب لمحاولة الإجابة عن سؤال يبدو اقتصاديًا في ظاهره، لكنه إنساني في جوهره، وهو لماذا يتصرف الناس بطريقة مختلفة تماما عندما يتعلق الأمر بالمال؟، حيث يرى الكاتب أن كثيرا من الأخطاء المالية لا تحدث بسبب نقص المعلومات، وإنما بسبب سوء السلوك، فقد يعرف الإنسان أهمية الادخار، لكنه ينفق أكثر مما ينبغي، وقد يعرف أن الاستثمار طويل الأجل أكثر عقلانية، لكنه يبيع عند أول انهيار في السوق.
ومن هنا يركز الكتاب على فهم النفس البشرية قبل محاولة فهم الأسواق، ويقدم مجموعة من الدروس والقصص التي توضح أن علاقتنا بالمال تتشكل بفعل التجارب الشخصية والبيئة الاجتماعية والظروف التي عشناها.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
أولى أفكار الكتاب أن لا أحد مجنون عندما يتعلق الأمر بالمال، فقرارات الناس المالية تبدو أحيانا غير منطقية من الخارج، لكنها قد تكون منطقية إذا عرفنا تاريخ الشخص وظروفه وما مر به، من عاش فترة ركود اقتصادي حاد، مثلا قد ينظر إلى الاستثمار والمخاطر بطريقة تختلف جذريا عمن عاش سنوات من الازدهار.
ويؤكد هاوسل كذلك أهمية الحظ والمخاطرة، فالنجاح لا يكون دائما نتيجة العبقرية وحدها، كما أن الفشل ليس بالضرورة دليلا على الغباء، هناك عوامل لا يستطيع الإنسان التحكم فيها، ولذلك يجب الحذر من تقليد الأشخاص الناجحين بصورة عمياء أو الحكم على القرارات اعتمادا على نتائجها فقط.
ومن أهم أفكار الكتاب قوة الفائدة المركبة، فالثروة الكبيرة قد تكون نتيجة عائد جيد استمر لفترة طويلة، وليس بالضرورة نتيجة تحقيق عوائد استثنائية كل عام، الزمن يمكن أن يكون أكثر أهمية من محاولة العثور باستمرار على الاستثمار المثالي.
كما يولي هاوسل أهمية كبيرة لفكرة الثراء مقابل الغنى الظاهر، فالسيارة الفاخرة والمنزل الضخم والملابس باهظة الثمن قد تجعل الشخص يبدو غنيا، لكنها لا تخبرنا شيئا عن وضعه المالي الحقيقي، الثروة الحقيقية، تتمثل في الأموال التي لم تنفق بعد، وفي القدرة على مواجهة المستقبل دون الاعتماد الكامل على دخل الغد.
ومن هنا تأتي فكرة الادخار باعتباره وسيلة لشراء الحرية، الادخار لا يتعلق فقط بالاستعداد لشراء شيء معين، بل يمنح الإنسان مساحة من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات دون أن يكون المال هو العامل الوحيد الذي يفرض عليه خياراته.
أما الاستثمار، فيحتاج إلى الصبر والانضباط، فالأسواق تمر بفترات ارتفاع وانخفاض، والمستثمر الذي لا يستطيع تحمل التقلبات قد يتخذ قرارات خاطئة في أسوأ لحظة، لذلك فإن القدرة على البقاء في السوق قد تكون أهم من القدرة على التنبؤ بما سيحدث فيه.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب كل من يريد فهم علاقته بالمال، وليس المستثمرين وحدهم، فهو مفيد للموظف الذي يحاول بناء مدخراته، ورائد الأعمال الذي يتعامل مع المخاطر، والمستثمر المبتدئ الذي يريد تجنب الأخطاء النفسية الشائعة، كما يناسب الأشخاص الذين لديهم معرفة مالية جيدة لكنهم يجدون أنفسهم أحيانا يتخذون قرارات لا تتفق مع ما يعرفونه نظريا، فالكتاب يوضح الفجوة بين معرفة ما ينبغي فعله وبين القدرة على فعله فعليا.
مميزات الكتاب
أبرز ما يميز الكتاب أسلوب هاوسل القصصي، فهو لا يقدم مجموعة من القواعد المالية الجافة، وإنما يستخدم حكايات وأمثلة تاريخية وتجارب بشرية لتوضيح أفكاره.
كما أن الكتاب لا يفترض أن هناك وصفة مالية واحدة تناسب الجميع. فالأهداف تختلف، والدخول تختلف، ومستوى تحمل المخاطر يختلف، وبالتالي فإن الخطة المالية الجيدة يجب أن تكون قابلة للاستمرار بالنسبة إلى صاحبها.
ومن نقاط القوة أيضا تركيزه على السلوك بدلا من الأدوات، فالكتاب لا يحاول إقناع القارئ بأن صندوقا أو سهما بعينه هو سر النجاح، بل يدفعه إلى بناء عقلية تساعده على اتخاذ قرارات أفضل مهما تغيرت الأدوات والأسواق.
قراءة صحفية
يمكن النظر إلى «علم المال» باعتباره كتابا عن الإنسان أكثر مما هو كتاب عن المال، فالمال يكشف شخصية صاحبه، مدى صبره، وطموحه، وخوفه، وقدرته على تأجيل رغباته الحالية من أجل مستقبل أفضل، والرسالة الأكثر أهمية التي يتركها هاوسل هي أن النجاح المالي لا يحتاج بالضرورة إلى قرارات خارقة، بل إلى سلوك يمكن الاستمرار فيه، قد لا يستطيع المستثمر توقع الأزمة القادمة، لكنه يستطيع أن يحتفظ باحتياطي مالي، وقد لا يعرف أي أصل سيحقق أفضل عائد، لكنه يستطيع تجنب المخاطرة التي قد تدمر وضعه المالي.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى خطأ شائع، وهو مقارنة حياتنا المالية بحياة الآخرين، نحن نرى ما ينفقه الآخرون، لكننا لا نرى ديونهم ومدخراتهم ومخاوفهم. ولذلك قد تكون محاولة تقليد نمط حياة الآخرين طريقا إلى استنزاف مواردنا بدلا من بناء ثروتنا، ولا يقدم هاوسل وصفة للثراء السريع، بل يدعو إلى بناء علاقة أكثر نضجًا مع المال: أن نعرف ما يكفينا، وأن ندخر باستمرار، وأن نتحمل قدرًا معقولًا من المخاطر، وأن نترك الزمن يعمل لصالحنا.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: علم المال / سيكولوجية المال
العنوان الأصلي: The Psychology of Money: Timeless Lessons on Wealth, Greed, and Happiness
المؤلف: مورجان هاوسل (Morgan Housel)
دار النشر الأصلية: Harriman House
بلد النشر: المملكة المتحدة
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2020
عدد الصفحات: نحو 256 صفحة، بحسب الطبعة
رقم الإيداع: 9789921767001







