الشهادة وحدها لا تكفي.. سوق العمل يريد مهارة تصنع قيمة

سوق العمل

دائما ما كان يرتبط حلم قطاع كبير من الشباب بالحصول على “وظيفة”؛ في مكتب ثابت، راتب منتظم، وتأمينات اجتماعية، ثم انتظار سنوات طويلة حتى الوصول إلى درجة وظيفية أفضل.

لكن سوق العمل لم يعد كما كان، والاقتصاد الجديد يفرض علينا أن نعيد تعريف معنى الوظيفة، ليس لأن الوظيفة التقليدية فقدت قيمتها، وإنما لأن الفرصة أصبحت أوسع من مجرد وظيفة.

المشكلة في رأيي ليست دائمًا أن الاقتصاد لا يوفر وظائف كافية، وإنما أن هناك فجوة متزايدة بين ما يتعلمه الشباب وما يحتاجه سوق العمل.

قد يحصل الشاب على مؤهل دراسي، لكنه يكتشف عند البحث عن العمل أن الشركات تبحث عن مهارات مختلفة: لغة، تكنولوجيا، تحليل بيانات، مبيعات، تسويق، مهارات فنية أو قدرة على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

وهنا يجب أن يتغير السؤال من: “أين توجد الوظيفة؟”.. إلى أين توجد الفرصة التي يمكنني أن أضيف إليها قيمة؟.

الشهادة بداية الطريق وليست نهايته

لم تعد الشهادة الجامعية وحدها ضمانًا لمسار مهني ناجح. العالم يتحرك بسرعة، والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد تتغير باستمرار، ولذلك أصبح التعلم المستمر جزءًا من الوظيفة نفسها.

الشاب الذي يتوقف عن التعلم بعد التخرج قد يجد نفسه بعد سنوات يمتلك شهادة، لكنه يفتقد المهارة التي يبحث عنها السوق.

أما من يستثمر في تطوير نفسه، فيمكنه الانتقال من وظيفة إلى أخرى، أو العمل بشكل مستقل، أو تأسيس مشروع، أو حتى تقديم خدمات لأسواق خارج مصر.

وهنا تظهر أهمية التدريب الحقيقي، لا التدريب باعتباره مجرد شهادة إضافية في ملف التوظيف، وإنما باعتباره وسيلة لتحويل المعرفة إلى قدرة على الإنتاج.

القطاع الخاص يحتاج إلى مهارة

لا يمكن أن نطلب من الشركات توظيف الشباب لمجرد حصولهم على مؤهلات، كما لا يمكن أن نطالب الشباب بامتلاك خبرات وهم لم يحصلوا على فرصة لاكتسابها.

الحل في رأيي هو بناء جسر حقيقي بين التعليم وسوق العمل، بحيث تعرف المؤسسات التعليمية المهارات المطلوبة، وتشارك الشركات في تحديد البرامج التدريبية، ويحصل الطالب على تجربة عملية قبل التخرج.

فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى خريجين، وإنما يحتاج إلى أشخاص قادرين على الإنتاج.

من طالب وظيفة إلى صانع فرصة

التكنولوجيا فتحت بابًا جديدًا أمام الشباب. لم يعد مكان العمل مرتبطًا بالضرورة بمكتب أو شركة داخل نفس المدينة، وأصبح بإمكان شاب يمتلك مهارة في البرمجة أو التصميم أو التسويق الرقمي أو الترجمة أو صناعة المحتوى أن يعمل لحساب شركة في دولة أخرى.

وهذه ليست مجرد فرصة فردية؛ فكل خدمة رقمية يقدمها شاب مصري لعميل خارج البلاد يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل، ومع التوسع يمكن أن تتحول المهارة الفردية إلى شركة، ثم إلى وظائف جديدة لشباب آخرين.

الاقتصاد يحتاج إلى تغيير الثقافة

نحتاج إلى تغيير ثقافة “الحصول على وظيفة” إلى ثقافة “امتلاك مهارة وصناعة فرصة”.

ولا يعني ذلك أن نتخلى عن الوظيفة التقليدية أو نقلل من أهميتها، وإنما أن نوسع الخيارات أمام الشباب، بحيث يصبح أمامه أكثر من طريق لتحقيق الدخل وبناء المستقبل.

في النهاية، لا تستطيع الدولة وحدها توفير وظيفة لكل شاب، ولا يستطيع الشباب وحدهم خلق الفرص دون اقتصاد قادر على استيعاب مهاراتهم.

المعادلة تحتاج إلى طرفين: شاب يطور نفسه ويعرف ما يحتاجه السوق، واقتصاد يخلق بيئة تسمح له بتحويل مهارته إلى إنتاج ودخل وفرصة جديدة.

وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه من الآن ليس: «أين الوظيفة؟»، وإنما: «أين الفرصة.. وكيف نحولها إلى قيمة مضافة للاقتصاد؟»

بقلم: أحمد عبدالمنعم

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *