تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
وفي كتاب «اصنع وقتًا أكثر من المتاح»، يضع جايك ناب وجون زيراتسكي واحدة من أكثر المشكلات حضورًا في الحياة اليومية أمام القارئ: لماذا يبدو الوقت دائمًا أقل من المطلوب، رغم أن اليوم بالنسبة للجميع يملك العدد نفسه من الساعات؟
ماذا يريد الكاتب؟
يريد الكتاب إعادة النظر في الطريقة التي يتم التعامل بها مع الوقت، بعيدًا عن الفكرة التقليدية التي تختزل إدارة الوقت في كتابة قائمة طويلة من المهام ومحاولة الانتهاء منها.
الفكرة الأساسية هي أن زيادة الانشغال لا تعني بالضرورة زيادة الإنجاز، وأن الإنسان قد يقضي يومًا كاملًا في العمل والرد على الرسائل ومتابعة التفاصيل وتلبية احتياجات الآخرين، ثم يكتشف أن الشيء الأهم بالنسبة إليه ظل مؤجلًا.
ومن هنا يدعو الكتاب إلى اختيار ما يستحق التركيز، والتعامل مع اليوم باعتباره مساحة يمكن إعادة تنظيمها، بدلًا من تركها بالكامل لضغط المهام والمشتتات.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
لأن مشكلة الوقت لم تعد مرتبطة فقط بكثرة المسؤوليات، وإنما أصبحت مرتبطة أيضًا بكثرة الأشياء التي تتنافس على الانتباه.
الهاتف، الرسائل، مواقع التواصل، الاجتماعات، العمل، الالتزامات الأسرية، والمهام اليومية، كلها تستهلك أجزاء من اليوم، وقد تجعل الإنسان في حالة انشغال دائم دون أن تمنحه بالضرورة شعورًا حقيقيًا بالإنجاز.
ومن هنا يحاول الكتاب تقديم طريقة عملية تساعد على استعادة جزء من السيطرة على اليوم، من خلال التركيز على ما هو أهم، وتقليل ما يشتت الانتباه، وترك مساحة للأشياء التي لا ينبغي أن تختفي من الحياة بسبب ضغط العمل.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
– الوقت المتاح لا يعني بالضرورة الوقت المستخدم بصورة جيدة.
– الانشغال المستمر ليس دليلًا كافيًا على الإنتاجية.
– تحديد الأولويات أهم من محاولة إنجاز كل شيء.
– التركيز على مهمة مهمة قد يكون أكثر قيمة من التعامل مع عشرات المهام الثانوية.
– المشتتات اليومية يمكن أن تستهلك جزءًا كبيرًا من الوقت دون أن يشعر الإنسان.
– الحياة الشخصية والهوايات والراحة ليست أشياء يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية.
– يمكن إعادة تنظيم اليوم دون الحاجة إلى تغيير الحياة بالكامل.
– الهدف ليس إنجاز أكبر عدد ممكن من المهام، وإنما إعطاء الوقت للأشياء التي تستحقه.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب كل من يشعر بأن يومه يمر سريعًا دون أن يجد وقتًا كافيًا لما يهمه.
ويمكن أن يكون مفيدًا للموظفين وأصحاب الأعمال والطلاب والمديرين وأصحاب المشروعات، وكذلك لمن يحاول الموازنة بين العمل والأسرة والحياة الشخصية.
كما يخاطب الأشخاص الذين لديهم أهداف أو هوايات أو مشروعات مؤجلة باستمرار بسبب الجملة نفسها: «عندما يتوفر الوقت سأبدأ».
فالكتاب يحاول التعامل مع هذه الفكرة من زاوية مختلفة: الوقت قد لا يتوفر تلقائيًا، وإنما يحتاج إلى أن يتم تخصيصه.
مميزات الكتاب:
من أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يقدم الوقت باعتباره مجرد جدول أو قائمة مهام، وإنما يربطه بالاختيارات والانتباه وطريقة إدارة اليوم.
كما أن أفكاره تقترب من الحياة اليومية، فلا تتحدث فقط عن بيئة العمل، وإنما عن تفاصيل يمكن ملاحظتها في حياة أي شخص، بداية من الهاتف والمشتتات، وصولًا إلى تأجيل الأشياء المهمة لصالح المهام العاجلة.
ويتميز كذلك بمحاولة تقديم نظام واضح من أربع خطوات، بدلًا من الاكتفاء بالنصائح العامة حول تنظيم الوقت، مع تقديم مجموعة كبيرة من التقنيات العملية التي يمكن تطبيقها وفق ظروف كل شخص.
قراءة صحفية
اللافت في فكرة الكتاب أن مشكلة الوقت ربما لا تكون دائمًا في عدد الساعات، وإنما في الطريقة التي يتم بها توزيع هذه الساعات.
فقد يملك شخص ساعتين فقط لإنجاز أمر مهم، ويستفيد منهما بصورة أفضل من شخص يملك يومًا كاملًا لكنه يوزعه بين عشرات التفاصيل.
وهنا يظهر الفرق بين الوقت والانتباه، فالساعة التي يقضيها الإنسان أمام مهمة مهمة بينما يتنقل بين الهاتف والرسائل والإشعارات ليست بالضرورة ساعة كاملة من التركيز.
كما أن الحياة الحديثة صنعت نوعًا جديدًا من الانشغال؛ انشغال لا يتوقف حتى في أوقات الراحة. أصبح من الممكن أن ينتهي العمل، لكن لا ينتهي استنزاف الانتباه.
ولهذا تبدو فكرة الكتاب أكثر ارتباطًا بالواقع من مجرد الحديث التقليدي عن «إدارة الوقت»، فالقضية أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر: من يملك وقت الإنسان؟
هل هو صاحب الوقت نفسه، أم العمل، أم الهاتف، أم الرسائل، أم قائمة المهام التي لا تنتهي؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان الإنسان يعيش يومه كما يريد، أم يكتفي بالاستجابة لما يفرضه عليه اليوم.
ولا يعني ذلك أن كل المهام يمكن التخلص منها، أو أن المسؤوليات يمكن تجاهلها، وإنما يعني أن وجود المسؤوليات لا يجب أن يلغي تمامًا الأشياء التي تمنح الحياة معناها خارج العمل والواجبات.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو «اصنع وقتًا أكثر من المتاح» كتابًا عن زيادة الإنتاج فقط، وإنما عن إعادة ترتيب العلاقة مع الوقت.
فليس المطلوب أن يصبح الإنسان أكثر انشغالًا، بل أن يصبح أكثر وعيًا بما يستحق انشغاله.
أخيرًا
لا يستطيع أحد أن يضيف ساعة جديدة إلى اليوم، لكن يمكن تغيير الطريقة التي تُستخدم بها الساعات الموجودة.
وهذه هي الفكرة الأهم التي يتركها الكتاب: صناعة الوقت لا تعني خلق ساعات جديدة، وإنما استعادة جزء من الساعات التي تذهب إلى أشياء لا تمثل الأولوية الحقيقية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: كم أنجزنا اليوم؟
بل ربما يكون: هل ذهب وقتنا اليوم إلى الأشياء التي تستحق فعلًا؟
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: اصنع وقتًا أكثر من المتاح
العنوان الأصلي: Make Time: How to Focus on What Matters Every Day
المؤلف: جايك ناب – جون زيراتسكي
المترجمة: سمر حجازي
دار النشر: دار دون للنشر والتوزيع
بلد النشر: مصر – القاهرة
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 2022
عدد الصفحات: 271 صفحة
ISBN: 9789778062809







