هل يستطيع المستثمر العادي أن يتفوق باستمرار على السوق إذا امتلك المعلومات الكافية، أو استعان بخبراء التحليل، أو حاول اختيار الأسهم الرابحة في الوقت المناسب؟ هذا هو السؤال الذي يدور حوله كتاب «المشي العشوائي في وول ستريت» للخبير الاقتصادي والكاتب الأمريكي بيرتون مالكيل، أحد الكتب الأكثر شهرة في مجال الاستثمار والأسواق المالية.
صدر الكتاب للمرة الأولى عام 1973، وطرح منذ ذلك الوقت فكرة أثارت جدلا واسعا، مفادها أن محاولة التنبؤ المستمر بحركة الأسهم قد لا تكون أفضل استراتيجية لبناء الثروة على المدى الطويل.
لا ينطلق مالكيل من أن الأسواق تتحرك بلا منطق، بل يناقش مدى قدرة المستثمر على استخدام المعلومات المتاحة للتنبؤ بشكل متكرر بحركة الأسعار وتحقيق عوائد تفوق السوق بعد احتساب المخاطر والتكاليف.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب مالكيل الكتاب لتقديم رؤية مختلفة عن الأساليب التي كانت شائعة بين المستثمرين، خصوصا الاعتماد على التحليل الفني ومحاولات اكتشاف أنماط الأسعار، أو الاعتقاد بأن التحليل المالي يمكن أن يكشف دائمًا عن الأسهم التي ستتفوق على السوق.
ويشرح المؤلف أن أسعار الأسهم تتأثر بكم هائل من المعلومات والتوقعات والقرارات الاستثمارية، ما يجعل توقع الحركة التالية للسوق مهمة شديدة الصعوبة، ومن هنا تأتي فكرة «المشي العشوائي»، أي أن حركة الأسعار المستقبلية لا يمكن توقعها بسهولة من خلال دراسة تحركاتها السابقة وحدها، وأن المسار السابق للسهم لا يوفر بالضرورة خريطة موثوقة لمساره المقبل.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور
أولا، صعوبة التنبؤ بالسوق، حيث يناقش مالكيل فكرة أن الأسعار تستوعب المعلومات المتاحة بسرعة، وبالتالي يصبح من الصعب تحقيق تفوق مستمر بمجرد استخدام المعلومات التي يعرفها الجميع.
ثانيا، انتقاد التحليل الفني، حيث يرى المؤلف أن محاولة التنبؤ بالأسعار المستقبلية اعتمادا على الرسوم البيانية والأنماط التاريخية للأسعار تواجه مشكلة جوهرية، إذا كانت المعلومات السابقة معروفة بالفعل للمشاركين في السوق، فمن الصعب تحويلها إلى ميزة استثمارية مستدامة.
ثالثا، يناقش الكتاب التحليل الأساسي، الذي يعتمد على دراسة أرباح الشركات وأصولها وتدفقاتها النقدية وآفاق نموها، ورغم أهمية هذه الأدوات في تقييم الشركات، يحذر مالكيل من الاعتقاد بأن المستثمر يستطيع بسهولة تحديد الأسهم التي ستتفوق على السوق بصورة متكررة.
رابعا، يبرز الكتاب أهمية نظرية كفاءة الأسواق، التي تفترض بدرجات مختلفة أن أسعار الأصول تعكس المعلومات المتاحة، ولا تعني الفكرة أن كل سهم مسعر بصورة مثالية في كل لحظة، وإنما تجعل تحقيق تفوق مستمر على السوق مهمة أكثر صعوبة.
خامسا، يقدم مالكيل التنويع باعتباره أداة أساسية لإدارة المخاطر، فبدلا من محاولة اكتشاف عدد محدود من الأسهم الرابحة، يستطيع المستثمر توزيع أمواله على عدد واسع من الأصول والأسواق.
سادسا، يعطي الكتاب أهمية كبيرة للاستثمار طويل الأجل، فبدلا من محاولة توقيت السوق، يمكن للمستثمر بناء محفظة متنوعة والاحتفاظ بها لفترة طويلة، مع إعادة موازنتها وفق استراتيجية واضحة.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب المستثمرين المبتدئين الذين يحاولون فهم طبيعة الأسواق المالية قبل اتخاذ قراراتهم الاستثمارية، كما يناسب المستثمر الذي يجد نفسه منشغلا باستمرار بسؤال: «متى أشتري؟ ومتى أبيع؟».
وهو مفيد أيضا لمن يرغب في فهم الجدل بين الاستثمار النشط والاستثمار السلبي، وبين محاولة اختيار الأسهم وإدارة محفظة واسعة تتبع أداء السوق، لكن الكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره دعوة إلى تجاهل التحليل المالي أو الاعتقاد بأن جميع الأسهم متساوية، فمقاربته الأساسية هي التشكيك في قدرة المستثمر على تحقيق تفوق مستمر ومنتظم على السوق، وليس القول إن تحليل الشركات عديم القيمة.
مميزات الكتاب
من أبرز مميزات «المشي العشوائي في وول ستريت» أنه يقدم للقارئ نظرة نقدية على صناعة الاستثمار، فهو لا يكتفي بمناقشة الأسهم، بل يتساءل عن مدى جدوى التوقعات التي يقدمها المحللون والخبراء ومديرو الصناديق.
كما يتميز بأسلوب يجمع بين الاقتصاد والتمويل والتاريخ، ويعرض تطور الأفكار الاستثمارية والمضاربات والفقاعات في الأسواق.
ومن أهم نقاط قوته أنه يحول قضية معقدة إلى سؤال بسيط: إذا كان من الصعب معرفة أي سهم سيتفوق مستقبلًا، فلماذا لا يبني المستثمر محفظة متنوعة ويقلل من تكلفة محاولة التنبؤ؟
ولهذا أصبحت أفكار الكتاب من الخلفيات الفكرية المهمة وراء انتشار الاستثمار السلبي وصناديق المؤشرات، وإن كان الجدل حول كفاءة الأسواق وقدرة المستثمرين المحترفين على تحقيق عوائد استثنائية لا يزال قائما.
قراءة صحفية
بعد عقود من صدوره، تبدو أهمية الكتاب مرتبطة بواقع لم يتغير كثيرا، الأسواق ما زالت تجذب ملايين المستثمرين الذين يحاولون شراء الأسهم قبل ارتفاعها وبيعها قبل هبوطها، لكن التجربة الاستثمارية تقول إن المشكلة لا تكمن فقط في العثور على المعلومة الصحيحة، وإنما في معرفة ما إذا كانت هذه المعلومة مُسعّرة بالفعل في السوق، وما إذا كان المستثمر يستطيع تحويلها إلى ميزة تتكرر عامًا بعد آخر.
وهنا تكمن الرسالة الأكثر أهمية في كتاب مالكيل، ليس مطلوبا من المستثمر أن يعرف المستقبل حتى ينجح، بل أن يبني استراتيجية لا تعتمد على معرفة المستقبل، ويضع ذلك التنويع والتكاليف والصبر والانضباط في قلب العملية الاستثمارية، فالمستثمر الذي يشتري ويبيع باستمرار يدفع عمولات وتكاليف وربما ضرائب، فضلًا عن احتمال اتخاذ قرارات عاطفية في لحظات الخوف والطمع.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو «المشي العشوائي» كتابا عن الأسهم فقط، بل عن حدود المعرفة البشرية عندما يتعلق الأمر بالمستقبل، فحتى أكثر النماذج والتحليلات تطورا لا تستطيع إلغاء عدم اليقين.
ولا يعني ذلك أن السوق دائما عقلاني أو أن الأسعار لا تبالغ في الصعود والهبوط، فقد شهد التاريخ فقاعات وانهيارات عديدة، لكن وجود حالات واضحة من سوء التسعير لا يعني بالضرورة أن المستثمر يستطيع اكتشافها مسبقا بصورة متكررة والاستفادة منها.
في النهاية، يقدم مالكيل للقارئ فلسفة استثمارية تقوم على خفض الاعتماد على التوقعات، وزيادة الاعتماد على التنويع والزمن والانضباط، وربما تكون أهم رسالة في الكتاب أن الاستثمار الناجح لا يتطلب أن تعرف ما سيحدث غدا، بقدر ما يتطلب أن تكون مستعدا لما قد يحدث.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: المشي العشوائي في وول ستريت – A Random Walk Down Wall Street
المؤلف: بيرتون جي. مالكيل
دار النشر: نورتون – W. W. Norton & Company
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: تختلف بحسب الإصدار
سنة النشر الأولى: 1973
الطبعات اللاحقة: صدرت للكتاب طبعات منقحة ومحدثة عدة مرات
عدد الصفحات: 285 صفحة
رقم الإيداع: 73009895







