فجوة الثقة.. حين يصبح الخوف جزءاً من الطريق لا سبباً للتراجع

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

رسالة الكاتب للقارئ

في كتاب “فجوة الثقة”، يقترب راس هاريس من مشكلة يعيشها كثير من الناس في صمت، وهي انتظار الشعور بالثقة قبل الإقدام على خطوة جديدة، وكأن الثقة بوابة يجب عبورها أولاً حتى يبدأ الإنسان حياته.

لكن الكاتب يقلب هذه الفكرة، ويضع أمام القارئ احتمالاً مختلفاً، وهو أن انتظار اختفاء الخوف والشك قد يؤدي إلى انتظار طويل، وربما لا تأتي اللحظة المثالية التي يشعر فيها الإنسان بأنه مستعد تماماً.

ومن هنا لا يتعامل الكتاب مع الخوف باعتباره خللاً يجب التخلص منه، بل باعتباره شعوراً يمكن أن يظهر عندما يقترب الإنسان من شيء مهم بالنسبة إليه، سواء كان قراراً جديداً أو علاقة أو تجربة مهنية أو موقفاً اجتماعياً.

رسالة الكاتب تبدو واضحة، لا تنتظر أن تشعر بالشجاعة حتى تتحرك، فقد تكون الحركة نفسها هي التي تمنحك مع الوقت إحساساً أكبر بالقدرة، فالثقة ليست دائماً نقطة البداية، وإنما قد تكون نتيجة لطريق طويل من المحاولة والتجربة.

الأفكار القائمة عليها الكتاب

يعتمد الكتاب على مبادئ العلاج بالقبول والالتزام، ويربط بينها وبين فكرة تطوير الثقة بالنفس، بحيث يتعلم الإنسان التعامل مع أفكاره ومشاعره دون أن يسمح لها بالتحكم الكامل في سلوكه.

ويفرق المؤلف بين وجود الخوف وبين الاستسلام له، فالشعور بالقلق لا يعني بالضرورة أن الطريق خاطئ، كما أن وجود الشك لا يعني أن الإنسان غير قادر، فقد يكون الشعور موجوداً وفي الوقت نفسه يستطيع الإنسان أن يتقدم.

ومن هنا تصبح الثقة مفهوماً مختلفاً، فهي ليست حالة دائمة من اليقين، وليست شعوراً مستمراً بالقوة، وإنما قدرة على التعامل مع عدم اليقين والمضي في الاتجاه الذي يراه الإنسان مهماً.

ويركز الكتاب أيضاً على القيم، لأن تطوير الذات في تصور هاريس لا يتعلق فقط بتحسين الصورة التي يراها الإنسان عن نفسه، وإنما بسؤال أكثر عمقاً، وهو ما نوع الحياة التي يريد أن يعيشها، وما الأشياء التي تستحق أن يتحمل من أجلها بعض الخوف والتردد.

بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن

الخوف ليس دائماً علامة على الضعف، وقد يكون مجرد استجابة طبيعية أمام المجهول أو أمام موقف يحمل أهمية كبيرة للإنسان، ولذلك فإن محاولة التخلص منه بالكامل قد تجعل الشخص أكثر انشغالاً بمشاعره وأقل اهتماماً بما يريد فعله.

كما يطرح الكتاب فكرة أن الثقة يمكن أن تنمو من التجربة، فالإنسان قد يبدأ وهو متردد، ثم يكتشف من خلال الفعل أنه استطاع تحمل الموقف، ومع تكرار التجربة تتغير علاقته بالخوف وبنفسه

ومن الأفكار الأساسية كذلك عدم الدخول في حرب دائمة مع الأفكار السلبية، فالإنسان لا يحتاج إلى إقناع نفسه طوال الوقت بأنه قوي ولا يفشل، وإنما يمكنه ملاحظة الأفكار دون أن يمنحها سلطة مطلقة على قراراته.

وهنا تظهر أهمية القيم، لأن الإنسان عندما يعرف ما الذي يهمه يصبح أكثر قدرة على اتخاذ خطوات لا تعتمد بالكامل على مزاج اللحظة، فقد يشعر بالخوف، لكنه يعرف أيضاً لماذا يتحرك وإلى أين يريد أن يصل.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه

يستهدف الكتاب الأشخاص الذين يعيشون تحت تأثير الخوف من الفشل أو التردد أو الشك في الذات، وكذلك من يعتقدون أن عليهم الوصول أولاً إلى درجة معينة من الثقة قبل أن يبدأوا في تحقيق ما يريدون.

كما يخاطب الأشخاص الذين يشعرون بأن التفكير الزائد يستهلك طاقتهم، وأن مراقبة مشاعرهم بصورة مستمرة أصبحت عائقاً أمام الفعل، فيقدم لهم منظوراً يدعو إلى التعامل مع المشاعر بدلاً من انتظار اختفائها.

ويصلح الكتاب كذلك للقراء المهتمين بعلم النفس وتطوير الذات، خصوصاً لمن يبحثون عن مقاربة أقل اعتماداً على الشعارات وأكثر ارتباطاً بفهم العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوك.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلى

من نقاط القوة أن الكتاب لا يقدم وعداً بحياة خالية من الخوف، ولا يضع صورة مثالية للإنسان الواثق الذي لا يتردد ولا يقلق، وإنما يحاول تقديم مفهوم أكثر واقعية للثقة، يقوم على القدرة على الاستمرار رغم وجود المشاعر الصعبة.

كما أن الاستناد إلى مبادئ العلاج بالقبول والالتزام يمنح الكتاب إطاراً واضحاً، وتساعد التمارين والأدوات العملية على تحويل الأفكار إلى ممارسات يمكن للقارئ اختبارها في حياته.

لكن يمكن مناقشة مدى قدرة هذه الأدوات على التعامل مع اختلاف التجارب الفردية، فالمشاعر لا تظهر بالطريقة نفسها لدى الجميع، كما أن أسباب انعدام الثقة أو الخوف قد تكون مرتبطة بظروف اجتماعية وتجارب شخصية مختلفة، وهو ما يجعل أي منهج لتطوير الذات بحاجة إلى قراءة واعية للسياق وليس تطبيقاً آلياً للوصفات.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش

أبرزها مفهوم الثقة، فهل نحن بحاجة بالفعل إلى الشعور بالثقة حتى نبدأ، أم أن البداية نفسها قد تكون إحدى الطرق التي تصنع الثقة، وهنا يتحول السؤال من “متى سأشعر أنني مستعد” إلى “ما الخطوة التي أستطيع القيام بها رغم أنني لست مستعداً تماماً”.

وهناك أيضاً مفهوم القبول، فالقبول لا يعني الاستسلام للخوف ولا الموافقة على كل فكرة سلبية تظهر في العقل، وإنما يعني الاعتراف بوجودها دون السماح لها تلقائياً بتحديد الاتجاه.

ويفتح الكتاب كذلك باباً للنقاش حول ثقافة تطوير الذات، التي تقدم أحياناً الثقة باعتبارها حالة دائمة من القوة والحماس، بينما تبدو الصورة التي يقدمها هاريس أكثر هدوءاً، فالإنسان قد يكون خائفاً وواثقاً في الوقت نفسه، وقد يشعر بالشك ومع ذلك يواصل الطريق.

وهذه المفارقة ربما تكون أهم ما يتركه الكتاب في ذهن القارئ، لأن الشجاعة لا تعني دائماً غياب الخوف، بل قد تعني أن يعرف الإنسان أن الخوف موجود، ثم يسأل نفسه سؤالاً آخر، هل هناك شيء يستحق أن أمضي من أجله رغم هذا الخوف.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: “The Confidence Gap: From Fear to Freedom”

المؤلف: راس هاريس

دار النشر: Little, Brown Book Group

بلد النشر: المملكة المتحدة

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2011

عدد الصفحات: 304 صفحات

ISBN: 9781849019149

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *