قراءة في كتاب لازم نتغيّر We Must Change لرشا فرحات

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يعد كتاب نوافذ من الكتب التي تبحث عن الإنسان من الداخل، فإن لازم نتغيّر” يخرج إلى الشارع، إلى البيت، إلى الأسرة، إلى العادات الصغيرة التي تبدو عادية حتى تصبح مع الوقت جزءاً من السلوك العام.

ومن هنا تأتي خصوصية تجربة رشا فرحات، فالكتاب لم يبدأ باعتباره مشروعاً نظرياً عن التنمية البشرية، وإنما ولد من مقالات أسبوعية كانت تنشرها الكاتبة في صحيفة الرسالة على مدار أربع سنوات، قبل أن تجمعها في كتاب صدر عن دار سمير منصور للنشر عام 2016 في نحو 300 صفحة.

العنوان نفسه يحمل مفتاح القراءة، لازم نتغير ليست جملة موجهة إلى الآخرين وحدهم، وإنما صيغة جماعية تضع الكاتب والقارئ والمجتمع في المساحة نفسها، فبدلاً من سؤال من المخطئ، يتحول السؤال إلى ماذا يمكن أن نغير، وبدلاً من انتظار أن يبدأ الإصلاح من الخارج، يعود الكتاب إلى الفرد، إلى عقله وسلوكه وعلاقته بالآخرين، وهي الفكرة التي صرحت بها الكاتبة حين ربطت تغير المجتمع بتغير الإنسان من داخله.

اللافت في تجربة الكتاب أن رشا فرحات لم تبحث عن أمثلة بعيدة أو قصص مصطنعة، بل استقت أفكارها من الحياة اليومية، من جلسة عائلية، أو حديث عابر، أو موقف في سيارة أجرة، أو تصرف تراه أمامها، ثم تعيد تقديمه للقارئ بطريقة ساخرة تقوده إلى التفكير في المشكلة والحل معاً، وبذلك يتحول اليومي إلى مادة للتأمل، والعابر إلى سؤال، والموقف الصغير إلى مرآة كبيرة للسلوك الاجتماعي.

وهنا تظهر السخرية باعتبارها أداة لا غاية، فهي لا تستخدم الضحك لمجرد الإضحاك، وإنما لتخفيف وطأة الموضوع وفتح باب النقاش، فالحديث عن العادات الخاطئة قد يتحول بسهولة إلى موعظة ثقيلة، لكن السخرية تمنح الفكرة جناحين، جناحاً يخفف ثقلها، وآخر يحملها إلى القارئ، ولذلك جمعت التجربة بين الجدية وخفة الظل، وبين الفصحى واللهجة العامية، وبين النصيحة والحكاية، لتصبح اللغة أقرب إلى حديث إنساني منه إلى درس تقليدي.

ومن أبرز الأفكار التي يثيرها الكتاب أن بعض المشكلات التي نشتكي منها باستمرار لا تحتاج دائماً إلى تغيير العالم كله، بل تحتاج أحياناً إلى تغيير الطريقة التي نتصرف بها داخله، فالتعامل مع الآخرين، والنظرة إلى الأسرة، وطريقة التفكير في الأحلام، والعادات التي نعتبرها طبيعية، كلها تفاصيل تبدو صغيرة لكنها حين تتكرر تتحول إلى ثقافة، والثقافة حين تستقر تتحول إلى واقع يصعب تغييره.

وهنا يضع الكتاب القارئ أمام مسؤولية مزدوجة، مسؤولية تجاه نفسه ومسؤولية تجاه محيطه، لكنه لا يبدأ بالمسؤولية الثانية قبل الأولى، لأن الإنسان الذي لا يراجع سلوكه لن يستطيع بسهولة أن يطالب الآخرين بالمراجعة، ومن هنا يصبح التغيير عملية تبدأ من الذات ثم تتسع دوائرها، من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع، ومن السلوك الشخصي إلى الأثر العام.

وتبرز في الكتاب فكرة أخرى شديدة الصلة بالتنمية الذاتية، وهي أن السعادة ليست بالضرورة نتيجة مباشرة للظروف، فقد يعيش شخص في ظروف صعبة لكنه يحتفظ بقدر من الرضا، وقد يعيش آخر في ظروف أكثر راحة لكنه يظل أسير المقارنة والشكوى، وقد تناولت فرحات هذه الفكرة من خلال تجربتها في الكتابة عن المغتربين ومفهوم السعادة، لتصل إلى أن الرضا يرتبط بطبع الإنسان ونظرته إلى حياته، وليس فقط بحجم ما يملك أو أين يعيش.

لكن قوة هذه الفكرة لا تكمن في تحويل الرضا إلى شعار، وإنما في فتح السؤال حول علاقتنا بما نملك وما نفتقد، فالإنسان الذي يقيس حياته دائماً بحياة الآخرين قد يظل خاسراً حتى عندما يحقق أهدافه، لأن معيار المقارنة يتحرك معه دائماً، بينما يساعد الوعي بالذات على بناء معيار أكثر واقعية، معيار يقوم على التطور لا المقارنة، وعلى التحسن لا الكمال، وعلى الخطوة القادمة لا الحسرة على الخطوة الماضية.

والكتاب في هذا المعنى لا يقدم التنمية الذاتية بوصفها سلماً سريعاً إلى النجاح، بل باعتبارها مراجعة مستمرة للذات، فالكاتبة نفسها أشارت إلى أن تجربة الكتابة غيرت بعض طباعها وطريقة تعاملها مع الآخرين، وتعلمت من خلالها الجمع بين صفات قد تبدو متناقضة، مثل القوة والتسامح، وهذه النقطة تمنح الكتاب بعداً مهماً، لأن التنمية هنا ليست خطاباً يوجه إلى الآخرين، بل تجربة يمر بها الكاتب نفسه.

كما أن نشأة الكتاب من عمود صحفي تمنحه طبيعة مختلفة عن الكتب التقليدية في التنمية البشرية، فالمادة خرجت من نبض المجتمع، وعاشت أولاً بين القراء قبل أن تنتقل إلى صفحات الكتاب، ولذلك يمكن فهم تنوع موضوعاتها وحرية عناوينها وسهولة لغتها، فالهدف لم يكن بناء نظرية متكاملة بقدر ما كان طرح أسئلة متتابعة حول تفاصيل الحياة التي نمر بها دون أن نتوقف عندها

وهذا ما يجعل لازم نتغيّر أقرب إلى دفتر ملاحظات اجتماعي كبير، لكنه دفتر لا يكتفي بتسجيل العيوب، بل يحاول تحويلها إلى فرص للمراجعة، فكل عادة يمكن أن تصبح سؤالاً، وكل مشكلة يمكن أن تصبح بداية حوار، وكل انتقاد للآخرين يمكن أن يتحول إلى فرصة لمراجعة النفس، وبذلك يصبح التغيير أقل صخباً وأكثر عمقاً، يبدأ من الداخل لكنه لا يبقى في الداخل.

وفي خلفية الكتاب تظهر أيضاً تجربة المجتمع الفلسطيني بما يحمله من حصار وضغوط وأزمات، إلا أن الكاتبة اختارت ألا تجعل الظروف ذريعة لإلغاء مسؤولية الفرد، بل حاولت أن تفتح مساحة للحديث عن الأخطاء التي تتجاوز الظروف السياسية والاجتماعية، وهي بذلك تميز بين ما يفرضه الواقع على الإنسان وبين ما يستطيع الإنسان تغييره في نفسه وسلوكه.

لذا يمكن قراءة لازم نتغيّر باعتباره سؤالاً مفتوحاً أكثر من كونه إجابة مغلقة، فالتغيير ليس قراراً يقال مرة واحدة ثم ينتهي، وإنما عادة تحتاج إلى مراجعة، والمراجعة تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تحتاج إلى اعتراف بأن بعض ما ننتقده في الآخرين قد يسكن فينا أيضاً، وبين الاعتراف والإصلاح مسافة لا يقطعها الكلام وحده، بل تقطعها الممارسة، ولذلك يبقى العنوان حاضراً بعد نهاية الكتاب، ليس باعتباره أمراً موجهاً إلى الآخرين، وإنما باعتباره سؤالاً شخصياً يطرق باب كل قارئ، هل حان وقت أن نتغير.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: لازم نتغيّر We Must Change

المؤلف: رشا فرحات

دار النشر: دار سمير منصور للنشر

بلد النشر: فلسطين غزة

الطبعة: الأولى وفق المصادر المتاحة عن إصدار الكتاب

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 300 صفحة تقريباً

ISBN: 978-9950-56-234-3

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *