تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافهاكل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكارهبلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
عندما نتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أثناء اتخاذ القرار، غالبًا ما نفكر في التحيز، وقد نعتقد أن المشكلة تكمن في أفكار مسبقة تجعلنا نرى الأشياء بطريقة غير موضوعية، أو في معلومات ناقصة تدفعنا إلى استنتاجات غير دقيقة.
لكن المؤلفون”دانيال كانيمان وأوليفييه سيبوني وكاس ر. سنستين”يفتحون في كتاب”الضوضاء“بابًا آخر لا يقل أهمية ماذا لو لم يكن الخطأ ناتجًا عن تحيز ثابت، وإنما عن اختلافات غير مرغوبة في الأحكام نفسها؟
تخيل طبيبين يتعاملان مع حالتين متشابهتين، فيقدّم كل منهما تشخيصًا مختلفًا، أو قاضيين ينظران إلى جريمة متشابهة فيصدر كل منهما حكمًا مختلفًا، أو مديرين يقيّمان الموظف نفسه بطريقة مختلفة.
الضوضاء تختلف عن التحيز:
التحيز يؤدي إلى أخطاء تميل في اتجاه واحد، بينما الضوضاء تعني اختلاف الأحكام والقرارات بصورة غير متسقة.
عدم الاتساق مشكلة مؤسسية:
قد يحصل أشخاص أو حالات متشابهة على قرارات مختلفة فقط لأن القرار اتخذه شخص مختلف أو في وقت مختلف.
الحكم البشري ليس موضوعيًا دائمًا:
الحالة المزاجية، الظروف المحيطة، الخبرة، التوقعات وحتى ترتيب المعلومات يمكن أن تؤثر في الحكم.
القرارات المهنية معرضة للضوضاء:
حتى الخبراء قد يختلفون بصورة كبيرة عند تقييم الحالة نفسها، رغم امتلاكهم المعلومات ذاتها.
الضوضاء الخفية أخطر مما تبدو:
بعض المؤسسات لا تكتشف حجم التفاوت في قراراتها لأنها تركز على متوسط النتائج، وليس على الاختلاف بين القرارات الفردية.
التنبؤ أكثر عرضة للخطأ:
عندما نحاول توقع المستقبل، تتداخل التقديرات الشخصية والافتراضات المختلفة، ما يزيد مساحة الاختلاف وعدم اليقين.
الحدس يحتاج إلى ضوابط:
الخبرة مهمة، لكنها لا تضمن دائمًا الاتساق أو الدقة؛ لذلك تحتاج القرارات المهمة إلى قواعد وإجراءات تقلل أثر الانطباعات الشخصية.
استخدام المعايير الموحدة:
وضع معايير واضحة قبل اتخاذ القرار يساعد على تقليل الاختلافات غير المبررة بين الحالات المتشابهة.
تجزئة القرار:
بدل إصدار حكم شامل دفعة واحدة، يمكن تقييم عناصر المشكلة بصورة منفصلة، ثم جمع النتائج للوصول إلى حكم أكثر اتزانًا.
الاستقلال في التقييم:
عندما يقدم الأشخاص أحكامهم بصورة مستقلة قبل مناقشتها جماعيًا، يمكن تقليل تأثير آراء الآخرين والانحياز الجماعي.
البيانات تساعد على تقليل الضوضاء:
الاعتماد على الأدلة والمعلومات المنظمة يمكن أن يجعل القرارات أكثر اتساقًا من الاعتماد على الانطباع وحده.
الهدف ليس إلغاء الحكم البشري:
الكتاب لا يدعو إلى استبدال الإنسان بالآلات، وإنما إلى تصميم أنظمة تجعل الحكم البشري أكثر اتساقًا وعدالة ودقة.
وبعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند إليها الكاتب وهي أن:
الحكم البشري لا يتأثر بالتحيزات فقط، وإنما يتأثر أيضًا بدرجة كبيرة بالتباين بين الأحكام.
الأشخاص المختلفون قد يصلون إلى أحكام مختلفة بشأن الحالة نفسها رغم امتلاكهم معلومات متقاربة.
الشخص نفسه قد يغير حكمه تجاه القضية نفسها وفقًا للظروف المحيطة بعملية التقييم.
الضوضاء قد تكون غير مرئية لأنها لا تظهر بوضوح في قرار واحد، وإنما تظهر عند مقارنة عدد كبير من القرارات.
المؤسسات قد تتعامل مع التباين في الأحكام باعتباره أمرًا طبيعيًا، رغم أن بعضه يمكن تقليله.
وجود خبير لا يعني بالضرورة أن أحكامه ستكون متسقة دائمًا.
وضع معايير واضحة قبل اتخاذ القرار يمكن أن يقلل بعض أشكال التباين غير المرغوب فيه.
جمع الأحكام الفردية أو استخدام أساليب منظمة قد يساعد في تحسين بعض القرارات.
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
الكتاب يخاطب بدرجة كبيرة المؤسسات والأشخاص الذين يتخذون أحكامًا تؤثر في الآخرين.
ولهذا يمكن أن يجد القضاة والأطباء والمديرون والمسؤولون عن التوظيف والمستثمرون والمستشارون والباحثون وصانعو السياسات مادة مهمة فيه.
لكن الكتاب لا يتوقف عند أصحاب المناصب، فكل إنسان يتخذ قرارات بصورة يومية يمكن أن يتأثر بالضوضاء، سواء في تقييم شخص آخر، أو اختيار موظف، أو الحكم على موقف، أو اتخاذ قرار يتعلق بالعمل أو المال.
أما عن نقاط القوة في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:
من أبرز نقاط قوة الكتاب أنه يقدم مفهومًا يصعب اكتشافه في الحياة اليومية؛ فالتحيز يمكن أحيانًا ملاحظته بسهولة نسبيًا عندما نكتشف أن مؤسسة أو شخصًا يميل بصورة منتظمة إلى اتجاهمعين.
أما الضوضاء فتحتاج إلى المقارنة؛ قد يكون كل قرار منفرد قابلًا للدفاع عنه، لكن عند جمع مئات القرارات نكتشف أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الأشخاص أو الظروف في الحالات التي كان يفترض أن تكون أحكامها أكثر اتساقًا.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
أول هذه المفاهيم هو العدالة، إذا كان شخصان متشابهان يمكن أن يحصلا على قرارين مختلفين بسبب اختلاف من يتخذ القرار، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالكفاءة فقط، وإنما بالعدالة.
وهنا تظهر أهمية وجود معايير مشتركة، خصوصًا في المجالات التي تؤثر قراراتها في حياة الناس.
لكن في المقابل، لا تعني العدالة أن تكون جميع القرارات متطابقة حرفيًا.
فالحالات الإنسانية نادرًا ما تكون متطابقة بالكامل، والاختلاف في الحكم قد يكون أحيانًا نتيجة لاختلاف حقيقي في التفاصيل.
المفهوم الثاني هو الخبير، نميل عادةً إلى الاعتقاد بأن الخبرة الطويلة تعني حكمًا أكثر اتساقًا.
لكن الكتاب يدفعنا إلى سؤال أكثر دقة: هل الخبرة تمنح صاحبها القدرة على اتخاذ قرار أفضل دائمًا، أم أنها قد تجعله أيضًا أكثر اعتمادًا على حدسه الشخصي؟
الخبرة مهمة بلا شك، لكن الاعتماد على الخبرة وحدها لا يضمن التخلص من الاختلافات غير المبررة.
أما المفهوم الثالث فهو الإنسان والآلة، إذا كان الحكم البشري عرضة للتباين، فهل الحل هو نقل مزيد من القرارات إلى الخوارزميات؟
ليس بهذه البساطة، فالخوارزمية قد تقلل نوعًا من الضوضاء، لكنها يمكن أن تحمل تحيزات موجودة في البيانات التي تدربت عليها، وقد تنتج أخطاء على نطاق واسع إذا كانت القواعد التي بنيت عليها غير مناسبة.
وفي النهاية، يترك الكتاب سؤالًا مهمًا أمام كل مؤسسة وكل شخص يتولى مسؤولية الحكم على الآخرين: هل القرار الذي اتخذناه يعكس فعلًا المعلومات الموجودة أمامنا، أم أنه يعكس أيضًا الشخص الذي اتخذ القرار، والوقت الذياتخذه فيه، والظروف التي أحاطت به؟
في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر:
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: “الضوضاء”: خلل في أحكامنا
المؤلفون: “دانيال كانيمان، أوليفييه سيبوني، كاس ر. سنستين”
دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، للنسخة العربية
بلد النشر: لبنان
سنة النشر: 2021
عدد الصفحات: 448 صفحة
ISBN: 9786140133488







