التمهيد
حين يتحول النوم في نظر الإنسان إلى وقت ضائع يصبح الاستيقاظ إنجازًا والنوم ترفًا بينما الحقيقة أن المعادلة تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لأن الجسد والعقل لا يستطيعان العمل بكامل طاقتهما دون تلك الساعات التي نظن أحيانًا أنها مسروقة من يومنا
لماذا ننام ليس سؤالًا عن عادة يومية نمارسها منذ ولادتنا بقدر ما هو سؤال عن واحدة من أكثر العمليات غموضًا وأهمية في حياة الإنسان ماثيو ووكر ينقل النوم من منطقة الكسل والراحة إلى منطقة العلم والوظيفة الحيوية ليكشف أن الدماغ لا يتوقف حين نغلق أعيننا بل يبدأ مرحلة مختلفة من العمل وإعادة التنظيم واستعادة التوازن وحفظ ما تعلمناه خلال اليوم وربط التجارب والمعلومات والمشاعر بطريقة تجعل النوم شريكًا أساسيًا في قدرتنا على التفكير والتذكر واتخاذ القرار
يبدأ الكتاب من مفارقة واضحة وهي أن الإنسان الحديث يعرف عن النوم أقل بكثير مما يتخيل رغم أنه يقضي جزءًا ضخمًا من عمره نائمًا هذه المفارقة تصبح أكثر وضوحًا حين ندرك أن المجتمعات الحديثة بنت إيقاع حياتها على فكرة الإنتاج المستمر وكأن تقليل ساعات النوم علامة على النجاح والطموح بينما يكشف العلم أن خسارة النوم لا تعني فقط الشعور بالتعب في اليوم التالي وإنما تعني إضعاف عدد كبير من الوظائف التي يعتمد عليها الإنسان في حياته اليومية
يشرح ووكر أن النوم ليس حالة واحدة وإنما منظومة معقدة من المراحل لكل مرحلة وظائفها الخاصة ويظهر هنا الفرق بين النوم العميق ونوم حركة العين السريعة إذ يؤدي كل منهما دورًا مختلفًا في إعادة بناء الجسد وتنظيم الدماغ ومعالجة المعلومات والذكريات ويصبح الحلم جزءًا من هذه العملية وليس مجرد صور عشوائية تظهر أثناء الليل
تكتسب الذاكرة مساحة مهمة داخل الكتاب لأن النوم يعمل كأنه مختبر داخلي يعيد ترتيب ما مر به الإنسان خلال يومه بعض المعلومات تحتاج إلى تثبيت وبعضها يحتاج إلى إعادة تنظيم وبعض التجارب العاطفية تحتاج إلى معالجة هادئة تسمح للإنسان بالاستيقاظ وقد أصبح أكثر قدرة على التعامل معها النوم الجيد لذلك لا يمثل راحة للذاكرة بل يمثل مرحلة من مراحل صناعتها
تظهر أهمية النوم كذلك في التعلم لأن الدماغ الذي يحاول استقبال المعلومات وهو محروم من النوم لا يعمل بالكفاءة نفسها التي يعمل بها العقل المرتاح وهنا تصبح الساعات التي نقضيها في الدراسة أو العمل أقل قيمة إذا لم يحصل الدماغ على فرصة لمعالجة ما استقبله وربطه بما يعرفه مسبقًا
تتسع الصورة حين ينتقل الحديث إلى الجسد إذ يرتبط النوم بتنظيم الشهية والطاقة والمناعة والمزاج والقدرة على التحكم في الانفعالات ويصبح الحرمان المزمن من النوم عاملًا يضغط على أنظمة متعددة في الجسم وليس مشكلة منفصلة يمكن تجاهلها بسهولة
يلفت الكتاب الانتباه كذلك إلى تأثير الضوء والإيقاع اليومي والكافيين والعمل بنظام المناوبات والسفر عبر المناطق الزمنية في الساعة البيولوجية للإنسان وهذه التفاصيل التي تبدو عادية تستطيع تغيير العلاقة بين الجسم والوقت وتجعل الإنسان مستيقظًا حين يحتاج إلى النوم أو نائمًا حين يفترض أن يكون في ذروة نشاطه
تظهر التكنولوجيا كجزء أساسي من المشكلة الحديثة فالهواتف والشاشات والإضاءة الصناعية جعلت الليل أقل ظلمة واليوم أطول مما كان عليه طبيعيًا ومع استمرار التنبيهات والمحتوى الرقمي أصبح العقل معرضًا لمحفزات لا تنتهي في الوقت الذي يفترض فيه أن ينتقل تدريجيًا إلى حالة من الهدوء والاستعداد للنوم
يتعامل الكتاب أيضًا مع فكرة السهر بوصفها ثقافة اجتماعية وليست مجرد اختيار فردي فالمجتمع الذي يكافئ الشخص الذي يعمل لساعات أطول قد يدفع أفراده بصورة غير مباشرة إلى التضحية بالنوم حتى يصبح الحرمان منه جزءًا من تعريف النجاح وهنا يتحول السؤال من كيف أنام أكثر إلى سؤال أعمق يتعلق بالطريقة التي صممنا بها حياتنا وأولوياتنا
القيمة الحقيقية للكتاب تظهر حين يعيد تعريف النوم داخل منظومة الحياة فالإنسان لا يصبح أكثر إنتاجية بمجرد إضافة ساعات إلى يومه إذا كانت تلك الساعات تأتي على حساب قدرته على التركيز والتعلم وضبط المشاعر واتخاذ القرارات النوم ليس انسحابًا من الحياة وإنما أحد الشروط التي تجعل المشاركة فيها أكثر كفاءة
الفكرة الأهم التي يتركها الكتاب أن الإنسان الحديث ربما يحتاج إلى إعادة النظر في علاقته بالوقت فالساعات التي نقضيها نائمين ليست ساعات ميتة كما قد تبدو للوهلة الأولى بل وقت يعمل فيه العقل والجسد بطريقة مختلفة تمامًا وإذا كان الاستيقاظ هو الجزء الظاهر من حياتنا فإن النوم يمثل البنية الخفية التي تساعد هذا الجزء على الاستمرار
حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان لماذا ننام اكتشف طاقة النوم والأحلام
المؤلف ماثيو ووكر
المترجم الحارث النبهان
دار النشر دار التنوير
بلد النشر لبنان
الطبعة الأولى
سنة النشر 2019
عدد الصفحات 512
ISBN 9786144720622







