الأرواح الحيوانية.. قراءة حول تأثير العوامل النفسية على السلوك الاقتصادي

يقدم كتاب «الأرواح الحيوانية» للاقتصاديين جورج أكرلوف وروبرت شيلر قراءة مختلفة لكيفية عمل الاقتصاد، تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الإنسان الاقتصادي ليس كائنا عقلانيا بالكامل، وأن القرارات الاقتصادية تتأثر بالمشاعر والتوقعات والثقة والعدالة والرغبة في تقليد الآخرين.

وينطلق المؤلفان من مفهوم «الأرواح الحيوانية» الذي استخدمه جون مينارد كينز للإشارة إلى العوامل النفسية التي تؤثر في السلوك الاقتصادي، ويحاول الكتاب إظهار أن فهم الاقتصاد يتطلب النظر إلى الإنسان كما هو في الواقع، لا كما تفترض بعض النماذج الاقتصادية المثالية.

لماذا كُتب هذا الكتاب؟

كُتب الكتاب لتفسير جوانب من الاقتصاد لا تكفي النظريات التقليدية وحدها لفهمها، خصوصا التقلبات الاقتصادية والأزمات والبطالة والإنفاق والاستثمار، ويرى أكرلوف وشيلر أن الثقة والمشاعر والتصورات الاجتماعية يمكن أن تدفع الأفراد والشركات إلى اتخاذ قرارات لا يمكن تفسيرها بالكامل من خلال حسابات المصلحة المادية وحدها.

ويحاول الكتاب إعادة إدخال العوامل النفسية والاجتماعية إلى قلب التحليل الاقتصادي، موضحا أن الاقتصاد يتأثر بما يعتقده الناس وما يتوقعونه، وليس فقط بما هو موجود من أرقام وموارد.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

  • أهمية الثقة في تفسير النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنفاق.

  • تأثير العدالة والشعور بالإنصاف في القرارات الاقتصادية وعلاقات العمل.

  • دور الفساد وسوء السلوك في تشكيل الأسواق والمؤسسات.

  • تأثير وهم المال في طريقة تعامل الأفراد مع الأسعار والدخل والثروة.

  • أهمية القصص والسرديات التي تنتشر بين الناس في تشكيل التوقعات الاقتصادية.

  • تأثير التقلبات في أسعار الأصول والعقارات على سلوك المستهلكين والمستثمرين.

  • تفسير البطالة باعتبارها ظاهرة تتأثر بعوامل نفسية ومؤسسية، وليس بالأجور والطلب وحدهما.

  • التأكيد على أن الأسواق لا تعمل دائما وفق حسابات عقلانية مستقرة، وأن المشاعر والتوقعات قد تدفعها في اتجاهات متغيرة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بالاقتصاد والعلوم الاجتماعية وعلم النفس السلوكي، كما يناسب القارئ الذي يريد فهم أسباب الأزمات الاقتصادية وتقلبات الأسواق من زاوية تتجاوز المؤشرات والأرقام.

وهو مفيد بصورة خاصة لطلاب الاقتصاد والإدارة والعلوم السياسية والاجتماعية، وللقارئ العام الذي يرغب في معرفة الأسباب التي تجعل الناس يتخذون قرارات اقتصادية تبدو أحيانا متناقضة مع الحسابات العقلانية البحتة.

ولا يحتاج الكتاب إلى معرفة متقدمة بالرياضيات الاقتصادية، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على الأمثلة والتفسير والتحليل لفهم السلوك الاقتصادي.

مميزات الكتاب

من أبرز مميزات «الأرواح الحيوانية» أنه يربط الاقتصاد بعلم النفس والسلوك الإنساني، فالمؤلفان لا ينظران إلى الفرد باعتباره آلة تحسب الأرباح والخسائر، وإنما باعتباره إنسانا يتأثر بالخوف والثقة والتوقعات والعدالة وتأثير الآخرين.

كما يتميز الكتاب بمحاولة تفسير ظواهر اقتصادية مألوفة من خلال هذه العوامل، فالأسعار والاستثمارات والإنفاق والبطالة لا تتحرك، وفق رؤيتهما، نتيجة المتغيرات المادية وحدها، وإنما تتأثر كذلك بما يعتقده الناس عن المستقبل.

ومن مميزاته أيضا أنه يقدم مفهوم «الأرواح الحيوانية» بصورة قابلة للفهم، ويستخدمه كإطار يجمع مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤثر في القرارات الاقتصادية.

قراءة صحفية

يمكن قراءة «الأرواح الحيوانية» باعتباره محاولة لتغيير صورة الإنسان داخل النظرية الاقتصادية، فبدلا من افتراض أن الأفراد يتخذون قراراتهم بعد حساب كامل ودقيق لكل الاحتمالات، ينطلق أكرلوف وشيلر من حقيقة أن البشر يتصرفون تحت تأثير المعلومات الناقصة والمشاعر والتوقعات والتجارب السابقة.

وتظهر الثقة في مقدمة هذه العوامل، فعندما يثق الناس بالمستقبل، قد يزيد إنفاقهم واستثمارهم، بينما يمكن أن يؤدي تراجع الثقة إلى تأجيل القرارات وتقليص النشاط الاقتصادي، وهكذا تصبح الحالة النفسية والاجتماعية جزءا من تفسير الدورة الاقتصادية.

أما العدالة، فيراها المؤلفان عنصرا مؤثرا في العلاقات الاقتصادية، فالناس لا يقيسون قراراتهم دائما بناء على المكاسب المادية، بل يهتمون أيضا بما يعتبرونه عادلا أو غير عادل، وهذا يمكن أن يؤثر في الأجور والعمل والتعاملات الاقتصادية.

ويتناول الكتاب كذلك الفساد وسوء السلوك، موضحا أن الحوافز الاقتصادية لا تمنع دائما الممارسات التي تضر بالأسواق، خصوصا عندما تتوافر فرص لتحقيق مكاسب على حساب الآخرين، ومن هنا تصبح الثقة في المؤسسات والقواعد المنظمة للسوق عنصرا مهما في استقرار النشاط الاقتصادي.

ومن الأفكار المهمة أيضا وهم المال، أي الطريقة التي قد يتعامل بها الناس مع القيم النقدية دون أن يأخذوا دائما في الاعتبار التغير الحقيقي في القوة الشرائية، ويشير ذلك إلى أن طريقة عرض الأرقام والقيم يمكن أن تؤثر في القرارات الاقتصادية.

ويركز المؤلفان كذلك على السرديات الاقتصادية فالناس لا يتخذون قراراتهم بناء على الإحصاءات وحدها، وإنما يتأثرون بالقصص والأفكار التي تنتشر حول الاقتصاد، وقد تساعد هذه السرديات في تفسير سرعة انتشار التفاؤل أو التشاؤم خلال فترات الصعود والهبوط الاقتصادي.

ومن خلال هذه العناصر، يقدم الكتاب تفسيرا للسلوك الاقتصادي أكثر ارتباطا بالواقع الإنساني، فالأزمات لا تنتج فقط عن تغيرات مادية، وإنما يمكن أن تتضخم بسبب الخوف، أو تنحسر بفعل عودة الثقة، أو تتشكل نتيجة توقعات جماعية تؤثر في قرارات ملايين الأفراد.

ولا يعني ذلك أن العوامل النفسية تحل محل المتغيرات الاقتصادية التقليدية، بل إن أطروحة الكتاب تقوم على أن فهم الاقتصاد يصبح أكثر اكتمالا عندما تدرس الحوافز المادية إلى جانب العوامل النفسية والاجتماعية.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه، وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: الأرواح الحيوانية

العنوان الأصلي: Animal Spirits: How Human Psychology Drives the Economy, and Why It Matters for Global Capitalism

المؤلف: جورج أكرلوف وروبرت شيلر

دار النشر: دار نشر جامعة برينستون

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

سنة النشر: 2009

عدد الصفحات: 248 صفحة

رقم الإيداع: 978-0691142333

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *