تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
الخوف واحد من أكثر المشاعر التي يمكن أن تعطل الإنسان، ليس لأنه يمنعه دائمًا من الحركة، وإنما لأنه يجعله يشك في قدرته على الحركة من الأساس، فقد يعرف الإنسان ما يريد، ويمتلك الفرصة التي انتظرها طويلا، لكنه يتراجع عندما تبدأ الأسئلة في الظهور، ماذا لو فشلت، ماذا لو اتخذت القرار الخطأ، ماذا سيقول الآخرون، ماذا لو خسرت ما أملكه الآن، وماذا لو لم أكن قادرا على تحمل النتيجة، من هذه المنطقة النفسية تنطلق سوزان جيفرز في كتابها “Feel the Fear and Do It Anyway”، لتقدم رؤية مختلفة للخوف، لا تقوم على انتظار اختفائه، وإنما على تعلم كيفية التحرك رغم وجوده.
الفكرة الأساسية في الكتاب بسيطة لكنها عميقة، وهي أن الخوف ليس بالضرورة علامة على أن الإنسان يسير في الاتجاه الخطأ، ففي كثير من الأحيان يظهر الخوف عندما نقف أمام شيء جديد أو غير مألوف، ولذلك فإن انتظار اختفاء الخوف قبل اتخاذ الخطوة قد يعني الانتظار إلى الأبد، فالإنسان الذي يريد تغيير عمله، أو بدء مشروع، أو إنهاء علاقة، أو اتخاذ قرار شخصي مهم، قد يشعر بالخوف في جميع الأحوال، لكن الفرق الحقيقي يكون في الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الشعور.
ترى جيفرز أن الإنسان يميل إلى تفسير الخوف باعتباره دليلا على عدم القدرة، بينما يمكن النظر إليه باعتباره شعورا طبيعيا يصاحب الانتقال من المألوف إلى غير المألوف، فالمنطقة التي اعتاد الإنسان عليها قد لا تكون مثالية، لكنها تمنحه إحساسا بالأمان لأنها معروفة، أما التغيير فيفتح أمامه احتمالات كثيرة لا يستطيع السيطرة عليها بالكامل، ولهذا يظهر الخوف، ومن هنا تصبح المشكلة ليست في وجود الخوف نفسه، وإنما في السماح له بأن يتحول إلى قرار بالتراجع.
ومن أهم الأفكار التي يناقشها الكتاب الفرق بين الشعور بالعجز والشعور بالقدرة على الاختيار، فالإنسان قد يرى نفسه محاصرًا في ظروف لا يستطيع تغييرها، لكن حتى في المواقف الصعبة توجد مساحة لاتخاذ قرار بشأن الاستجابة، وهذه المساحة هي التي تحاول جيفرز توسيعها، فالإنسان لا يستطيع التحكم في كل الأحداث، ولا يستطيع ضمان النتائج، لكنه يستطيع أن يختار كيف يتصرف، وما الخطوة التي يمكن أن يقوم بها، وكيف يتعامل مع النتيجة إذا لم تأتِ كما توقع.
وتربط المؤلفة الخوف بعدم اليقين، فالإنسان يريد غالبًا أن يعرف النتيجة قبل أن يبدأ، ويريد ضمان أن القرار سيكون صحيحًا وأن الطريق لن يحمل خسائر أو مفاجآت، لكن الحياة لا تقدم هذه الضمانات، ولذلك فإن البحث عن اليقين الكامل يصبح أحيانًا طريقة غير مباشرة لتأجيل القرار، فالقرار الشجاع ليس بالضرورة قرارا خاليا من المخاطر، وإنما قد يكون قرارًا يعترف بوجود المخاطر ثم يتعامل معها بقدر من الوعي.
وتتناول جيفرز كذلك فكرة أن كثيرًا من الخوف يرتبط بما نعتقد أن الآخرين سيفكرون فيه، فالإنسان قد يتردد في تجربة جديدة خوفا من النقد أو السخرية أو الرفض، وقد يختار ما يرضي الآخرين حتى عندما يكون غير مناسب له، وهنا يدعو الكتاب إلى إعادة النظر في العلاقة بين رضا الآخرين وبين القرارات الشخصية، لأن محاولة الحصول على موافقة الجميع قد تجعل الإنسان يعيش وفق توقعات الآخرين بدل أن يعيش وفق أهدافه وقيمه.
ومن الأفكار المهمة أيضًا أن الثقة بالنفس ليست دائما نقطة البداية، فالإنسان قد يتصور أنه يحتاج إلى أن يشعر بالثقة أولا حتى يتحرك، بينما ترى المؤلفة أن الفعل نفسه يمكن أن يكون وسيلة لبناء الثقة، فعندما يجرب الإنسان شيئا كان يخشاه، ثم يكتشف أنه قادر على التعامل معه، تتوسع صورته عن قدرته، ومع تكرار التجربة تصبح الخطوات التي كانت مخيفة في البداية أكثر قابلية للتعامل، وهكذا تتحول الثقة من شرط للحركة إلى نتيجة جزئية للحركة.
ويعتمد الكتاب بصورة واضحة على تحويل الأفكار إلى ممارسات، فبدل الاكتفاء بالقول للإنسان كن شجاعا، يحاول أن يدفعه إلى التعامل مع الخوف بطريقة عملية، مثل تحديد الشيء الذي يخشاه، وفصل الخوف عن الحقيقة، والنظر إلى أسوأ الاحتمالات، ثم التفكير في كيفية التعامل معها إذا حدثت، فمجرد تحويل الخوف الغامض إلى احتمال محدد يمكن أن يجعله أقل سيطرة، لأن العقل غالبا يضخم الأشياء غير الواضحة أكثر مما يفعل مع المشكلات التي يمكن وصفها والتعامل معها.
وتطرح جيفرز مفهوما مهما يتعلق بالاختيارات، وهو أن عدم اتخاذ القرار يعتبر في حد ذاته نوعا من القرار، فعندما يؤجل الإنسان خطوة مهمة خوفًا من النتيجة، فإنه يختار استمرار الوضع الحالي، حتى لو كان غير راض عنه، ولذلك فإن السؤال لا يكون دائمًا هل أتحرك أم لا، وإنما أي نتيجة أقبل بها، نتيجة تجربة جديدة تحمل احتمال النجاح أو الفشل، أم نتيجة البقاء في المكان نفسه مع معرفة أن شيئا لن يتغير.
كما يتناول الكتاب فكرة تحمل المسؤولية عن الاختيارات، وهي فكرة تختلف عن تحميل الإنسان مسؤولية كل ما يحدث له، فالظروف الخارجية قد تكون أقوى من قدرة الفرد على التحكم فيها، لكن طريقة التعامل معها تظل مساحة يمكن تطويرها، ولذلك فإن المسؤولية هنا لا تعني لوم النفس، وإنما استعادة الإحساس بأن هناك أفعالا يمكن القيام بها بدل الشعور بأن الحياة تحدث للإنسان دون أن يكون له أي دور فيها.
ويظهر في الكتاب اهتمام واضح بمشكلة التسويف، فالخوف قد لا يظهر في صورة هلع واضح، وإنما قد يتحول إلى تأجيل، وانشغال بأمور جانبية، وإقناع النفس بأن الوقت غير مناسب، وانتظار ظروف أفضل، ولذلك فإن اكتشاف الخوف خلف سلوك التأجيل يمكن أن يساعد الإنسان على التعامل مع السبب الحقيقي بدل الاكتفاء بمحاولة تنظيم الوقت.
ولا يعني تجاوز الخوف في رؤية جيفرز أن يتجاهل الإنسان المخاطر أو يتخذ قرارات متهورة، فهناك فرق بين الشجاعة وبين عدم التفكير في العواقب، والكتاب يدعو إلى التحرك مع قبول قدر من عدم اليقين، لا إلى إلغاء التفكير أو تجاهل الواقع، فالإنسان يستطيع أن يدرس الخيارات، ويجمع المعلومات، ويحسب النتائج المحتملة، ثم يتخذ القرار دون انتظار ضمان كامل.
وتتصل هذه الفكرة أيضًا بالتعامل مع الفشل، فالخوف من الفشل يصبح أقوى عندما يعتقد الإنسان أن الفشل يعني نهايته أو يثبت أنه غير قادر، أما إذا نظر إليه باعتباره تجربة تقدم معلومات جديدة، فإنه يصبح أقل تهديدًا، فالنتيجة غير الناجحة يمكن أن تكشف خطأ في الخطة أو حاجة إلى مهارة جديدة أو ضرورة تغيير الاتجاه، وبذلك يتحول الفشل من حكم على قيمة الإنسان إلى معلومة يمكن استخدامها في المحاولة التالية.
وفي النهاية، يقدم كتاب “اشعر بالخوف وأقدم رغم ذلك، فكرة يمكن اختصارها في أن الشجاعة لا تعني غياب الخوف، وإنما القدرة على عدم السماح للخوف بأن يتخذ القرار بدلا منا، فالإنسان قد يخاف من البداية، ومن التغيير، ومن الرفض، ومن الخسارة، ومن المجهول، لكن هذه المشاعر لا تعني بالضرورة أن عليه التراجع، وقد يكون الطريق الأكثر نضجا هو أن يعترف بالخوف، ويدرس المخاطر، ويحدد ما يستطيع التحكم فيه، ثم يتحرك خطوة واحدة في الاتجاه الذي اختاره.
أهم ما يتركه الكتاب لدى القارئ هو إعادة تعريف العلاقة بين الخوف والفعل، فالخوف ليس دائمًا عدوًا يجب القضاء عليه قبل أن نبدأ، وقد يكون في أحيان كثيرة مجرد إشارة إلى أننا نقف أمام تجربة جديدة لا نعرف نتائجها بعد، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف أتخلص من الخوف تمامًا، وإنما كيف أتعلم ألا أتركه يمنعني من اتخاذ الخطوة التي أراها مناسبة، وربما تكون هذه الفكرة هي جوهر الكتاب كله، لأن الحياة لا تمنح الإنسان يقينًا كاملًا قبل كل قرار، لكن الإنسان يستطيع أن يتعلم كيف يتحرك رغم عدم اليقين، وأن يكتشف من خلال التجربة أن قدرته على مواجهة الخوف قد تكون أكبر بكثير مما كان يعتقد
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: اشعر بالخوف وأقدم رغم ذلك
المؤلف: سوزان جيفرز
دار النشر: Fawcett Columbine
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 1987
عدد الصفحات: نحو 240 صفحة، بحسب الطبعة
ISBN: 9780345487429







