“Never in Anger” حين يصبح ضبط المشاعر لغة اجتماعية كاملة

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

في أقصى الشمال الكندي، حيث الشتاء طويل، والمسافات شاسعة، والطبيعة تفرض شروطها القاسية على الإنسان، تبدو العلاقات الإنسانية أكثر من مجرد روابط عائلية أو اجتماعية، إنها وسيلة للبقاء، ونظام للحياة، ومدرسة يتعلم فيها الطفل منذ سنواته الأولى كيف يتعامل مع الغضب، وكيف يطلب، وكيف يرفض، وكيف يختلف، وكيف يحافظ على مكانه داخل الجماعة.

من هذه البيئة خرج كتاب “Never in Anger: Portrait of an Eskimo Family” لعالمة الأنثروبولوجيا جان إل بريجز، وهو كتاب يقوم على دراسة ميدانية استمرت سبعة عشر شهرا بين جماعة الأوتكو من الإنويت في منطقة القطب الشمالي الكندي، حيث عاشت المؤلفة داخل أسرة إنويتية وراقبت تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات بين أفراد الأسرة، وطريقة تربية الأطفال، والتعامل مع المشاعر والسلوك والانحراف عن قواعد الجماعة.

الكتاب لا يقدم علم النفس الاجتماعي من خلال النظريات المجردة، وإنما يضع القارئ داخل البيت، وسط الأسرة، أمام الطفل وهو يتعلم، والكبار وهم يتفاعلون، والجيران وهم يتبادلون الزيارات، والمشاعر وهي تتحرك بين الصمت والابتسامة والغضب والاحتواء، ولذلك فإن أهم ما يقدمه الكتاب هو اكتشاف أن السلوك الإنساني لا يولد منفصلا عن الثقافة، وأن ما يبدو طبيعيا في مجتمع قد يكون غريبا تماما في مجتمع آخر.

 رسالة الكاتب للقارئ

رسالة الكتاب الأساسية أن الإنسان لا يمكن فهمه بعيدا عن الجماعة التي يعيش فيها، فالشخصية ليست مجموعة صفات فردية فقط، وإنما نتيجة تفاعل طويل بين الأسرة واللغة والعادات والبيئة وطريقة التربية والقيم السائدة.

وتحاول بريجز أن تفتح أمام القارئ نافذة على مجتمع إنويتي مختلف في طريقة تعامله مع المشاعر، خصوصا الغضب، فالكتاب يلفت النظر إلى أن التحكم في الانفعال ليس مجرد فضيلة فردية، وإنما يمكن أن يكون قاعدة اجتماعية تتعلمها الأجيال الصغيرة من خلال الملاحظة والممارسة والتقليد.

وهنا تصبح التربية أكثر من تعليم الطفل ما يجب أن يفعله، إنها تدريب طويل على كيف يكون إنسانا مقبولا داخل جماعته، وكيف يتعامل مع الآخرين دون أن يحول كل اختلاف إلى صراع.

فالطفل لا يتعلم فقط الكلمات والأفعال، وإنما يتعلم أيضا حدود الانفعال، ومتى يضحك، ومتى يصمت، ومتى يتراجع، ومتى يترك مساحة للآخر، وبذلك تصبح المشاعر نفسها جزءا من الثقافة.

الأفكار القائمة عليها الكتاب

الفكرة الأولى أن الثقافة تصنع طريقة التعبير عن العاطفة، فالغضب موجود عند البشر جميعا، لكن طريقة إظهاره تختلف من مجتمع إلى آخر، وما يعتبره مجتمع تعبيرا طبيعيا عن الذات قد يعتبره مجتمع آخر سلوكا مرفوضا أو مؤذيا.

الفكرة الثانية أن الأسرة هي المدرسة الأولى للشخصية، فالطفل يتعلم من تصرفات الكبار أكثر مما يتعلم من الكلمات، ويراقب كيف يعامل الأب الأم، وكيف يتعامل الأخ الأكبر مع الأصغر، وكيف يستقبل المجتمع الخطأ، وكيف يعاقب أو يتسامح، ثم يعيد إنتاج ما شاهده بطريقة أو بأخرى.

الفكرة الثالثة أن العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى ضبط مستمر، فالعيش داخل جماعة صغيرة يجعل الإنسان أكثر اعتمادا على الآخرين، ولذلك تصبح القدرة على الحفاظ على العلاقات ضرورة وليست مجرد اختيار.

الفكرة الرابعة أن مفهوم الاستقلال الفردي ليس واحدا في كل الثقافات، ففي المجتمعات التي تقوم بدرجة أكبر على الجماعة، قد يكون الحفاظ على الانسجام الاجتماعي أولوية أعلى من التعبير الفردي المباشر.

الفكرة الخامسة أن التربية ليست مجرد نقل معلومات، وإنما صناعة شخصية، فالطفل يتعلم من خلال المواقف اليومية معنى القوة والضعف، والاحترام والإهانة، والتسامح والعداء، والقرب والمسافة.

الفكرة السادسة أن فهم الآخر يحتاج إلى الخروج من المركزية الثقافية، فلا يصح أن نحكم على سلوك مجتمع كامل باستخدام معايير مجتمع آخر دون أن نفهم السياق الذي أنتج هذا السلوك.

 بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن

الأسرة هي الوحدة الأولى التي تتشكل داخلها شخصية الإنسان، ومنها يتعلم الطفل كيف يقرأ مشاعر الآخرين وكيف يعبر عن مشاعره، وكيف يتحول من كائن يعتمد على الآخرين إلى عضو قادر على المشاركة في الجماعة.

كما أن طريقة التعامل مع الغضب تكشف الكثير عن طبيعة المجتمع، فالمشاعر موجودة لدى الجميع، لكن المجتمع هو الذي يضع لها القواعد، ويحدد ما يمكن إظهاره وما ينبغي كتمانه، وما يعتبر شجاعة وما يعتبر تهورا.

ومن أهم ما يكشفه الكتاب أيضا أن التربية يمكن أن تكون صامتة، فالطفل يتعلم من نظرات الآخرين، ومن طريقة حديثهم، ومن ردود أفعالهم، ومن العقاب غير المباشر، ومن التجاهل، ومن الابتسام، ومن الطريقة التي يتعامل بها الكبار مع الخطأ.

ويظهر كذلك أن العلاقات الاجتماعية ليست مجرد مساحة للمشاعر، وإنما نظام متكامل يحدد للأفراد أدوارهم ومكانتهم وواجباتهم.

ويكشف الكتاب أن المجتمع الصغير قد يكون شديد الحساسية تجاه الخلاف، لأن استمرار الحياة يحتاج إلى قدر من التعاون، ولذلك تصبح مهارات التسامح والتكيف وضبط الانفعال جزءا من أدوات البقاء الاجتماعي.

ومن النقاط اللافتة أيضا أن الطفل لا يولد وهو يعرف كيف يكون عضوا في المجتمع، وإنما يتعلم ذلك بالتدريج، وكل موقف يومي يتحول إلى درس صغير في بناء الشخصية.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه

يستهدف الكتاب الباحثين في علم النفس الاجتماعي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، كما يناسب المهتمين بتربية الأطفال وفهم العلاقات الأسرية وتكوين الشخصية.

ويمكن أن يستفيد منه القارئ المهتم بالفروق الثقافية، لأن الكتاب يقدم نموذجا واضحا لكيفية اختلاف التعبير عن العاطفة بين المجتمعات.

كما يخاطب كل من يريد أن يفهم العلاقة بين الفرد والجماعة، وكيف يمكن للقواعد الاجتماعية غير المكتوبة أن تكون أقوى أحيانا من القوانين الرسمية.

والكتاب مهم أيضا للآباء والمربين، لأنه يذكرهم بأن الطفل لا يتعلم من النصائح فقط، وإنما يتعلم من المناخ الذي يعيش فيه، ومن السلوك الذي يراه كل يوم.

 أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي

تتمثل قوة الكتاب الأولى في اعتماده على المعايشة المباشرة، فبريجز لم تكتف بالحديث عن مجتمع بعيد، وإنما عاشت وسط الأسرة التي درستها، وراقبت الحياة اليومية من الداخل، وهو ما منح العمل مادة إنسانية غنية بالتفاصيل.

ومن نقاط القوة أيضا أن الكتاب يجعل علم النفس الاجتماعي ملموسا، فلا يتحدث فقط عن الشخصية والانفعال والعلاقات، وإنما يجعل القارئ يرى هذه المفاهيم وهي تتحرك داخل الأسرة.

كما أن الكتاب يكشف أهمية الثقافة في تشكيل السلوك، ويجعل القارئ أكثر حذرا قبل إصدار الأحكام السريعة على عادات الآخرين.

أما نقطة الضعف، فيمكن مناقشة الكتاب من زاوية الزمن، فهو قائم على دراسة ميدانية تعود إلى ستينيات القرن العشرين، وبالتالي لا يمكن التعامل معه باعتباره صورة كاملة للمجتمعات الإنويتية المعاصرة.

كما أن استعمال بعض المصطلحات القديمة في عنوان الكتاب ووصف المجتمع يعكس لغة عصره، ولذلك يحتاج القارئ المعاصر إلى قراءة الكتاب داخل سياقه التاريخي، لا باعتباره الوصف النهائي لشعوب القطب الشمالي.

 ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش

أول هذه المفاهيم هو الغضب، هل الغضب شعور طبيعي يجب التعبير عنه دائما، أم أن الإنسان يستطيع أن يتعلم طرقا أكثر هدوءا لإدارته.

المفهوم الثاني هو التربية، هل الطفل يحتاج إلى أن يسمع الأوامر حتى يتعلم، أم أن الملاحظة والتجربة اليومية قد تكون أكثر تأثيرا من الكلام.

المفهوم الثالث هو الفرد والجماعة، أين تنتهي حرية الفرد ويبدأ حق الجماعة، وهل يمكن للإنسان أن يحافظ على استقلاله دون أن يخسر شبكة العلاقات التي تمنحه الشعور بالانتماء.

المفهوم الرابع هو الاختلاف الثقافي، وهل نستطيع فعلا فهم مجتمع آخر دون أن نحاول قياسه بمسطرة مجتمعنا.

أما المفهوم الخامس فهو الهدوء، فالهدوء في الكتاب ليس مجرد غياب للصوت، وإنما يمكن أن يكون لغة اجتماعية كاملة، تقول الكثير دون كلمات، وتحفظ العلاقات حين يكون الكلام سببا في زيادة الخلاف.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية. وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: Never in Anger: Portrait of an Eskimo Family

المؤلف: Jean L. Briggs

دار النشر: Harvard University Press

بلد النشر: الولايات المتحدة

سنة النشر: 1970

عدد الصفحات: 379 صفحة في بيانات طبعة هارفارد، مع اختلاف عدد الصفحات بين بعض السجلات والطبعات

ISBN: 9780674608283، وتظهر سجلات أخرى للطبعة نفسها برقم 9780674608252 بحسب الإصدار المفهرس.

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *