ليست كل حركة في السوق دليلًا على أن الاقتصاد يتحرك إلى الأمام، كما أن ارتفاع أسعار بعض الأصول لا يعني بالضرورة أن هناك قيمة جديدة أضيفت إلى الاقتصاد. هذه نقطة تبدو بسيطة، لكنها تضيع أحيانًا وسط الحديث عن الأرباح والاستثمار وارتفاع الأسعار، وكأن حركة الأموال في حد ذاتها أصبحت هدفًا اقتصاديًا.
الاقتصاد في جوهره أكثر بساطة من ذلك. مصنع يعمل، عامل يحصل على أجر، مزارع ينتج، شركة تقدم خدمة، منتج مصري يجد طريقه إلى سوق خارجية، ومشروع جديد يضيف طاقة إنتاجية لم تكن موجودة من قبل. هنا تتحول الأموال إلى إنتاج، والإنتاج إلى دخول وفرص عمل، ثم يعود جزء من هذه الدخول إلى السوق في صورة استهلاك واستثمار.
أما أن تتحرك الأموال بين أصل وآخر بحثًا عن فارق في السعر، فهذه قصة مختلفة. المضاربة موجودة في كل اقتصاد، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها جريمة اقتصادية في حد ذاتها، كما أن الأسواق المالية والعقارية لها أدوار مهمة في التمويل والاستثمار. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الربح من ارتفاع سعر الأصل أكثر جاذبية من الاستثمار في إنتاج جديد.
فشراء أرض انتظارًا لارتفاع سعرها لا يضيف أرضًا جديدة إلى الاقتصاد، وارتفاع سعر عقار قائم لا يعني أن وحدة سكنية جديدة بُنيت، وصعود قيمة أصل مالي لا يعني تلقائيًا أن مصنعًا جديدًا بدأ العمل.
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق الاحتفال بأي رقم اقتصادي هو: ماذا حدث بالفعل على أرض الواقع؟
الأرقام الرسمية تقول إن الاقتصاد المصري حقق نموًا حقيقيًا بلغ 5.1% خلال السنة المالية 2025/2026، وسجل النمو 4.7% في الربع الثاني من عام 2026، وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري. وهي أرقام تعكس تحسنًا في النشاط الاقتصادي، لكن قراءة النمو لا تكتمل بمجرد معرفة نسبته؛ المهم أيضًا معرفة القطاعات التي تقف وراءه، وما إذا كان هذا النمو يتحول إلى إنتاج وتشغيل وقدرة أكبر على التصدير.
وفي بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن الربع الثاني من العام المالي 2024/2025، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية الأخرى إلى نحو 257.4 مليار جنيه، مقابل 218.6 مليار جنيه في الربع المناظر، بزيادة بلغت 17.7%. كما ارتفعت قيمة نشاط التشييد والبناء إلى 182.6 مليار جنيه، مقابل 174.2 مليار جنيه.
هذه الأرقام تعني أكثر من مجرد زيادة في خانة داخل تقرير اقتصادي. خلفها مصانع ومعدات وعمالة وطاقة ونقل ومواد خام وموردون. أي أن الجنيه الذي يدخل دورة الإنتاج لا يتوقف عند صاحبه، وإنما ينتقل بين قطاعات عديدة، ويخلق طلبًا على خدمات وسلع أخرى.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الاقتصاد الحقيقي.
فالدولة التي تريد اقتصادًا أكثر قدرة على تحمل الأزمات لا يكفيها أن ترتفع أسعار الأصول أو تتسع حركة التداول، وإنما تحتاج إلى زيادة قدرتها على الإنتاج. تحتاج إلى مصنع ينافس، وزراعة أكثر كفاءة، وسياحة قادرة على جذب مزيد من الزوار، وخدمات تستطيع الوصول إلى أسواق خارجية، وشركات تكنولوجية تبيع منتجًا مصريًا للعالم.
ولعل أرقام التجارة الخارجية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد ارتفعت صادرات السلع والخدمات إلى نحو 440.9 مليار جنيه في الربع الثاني من العام المالي 2024/2025، مقابل 315.4 مليار جنيه في الربع المناظر، بينما ارتفعت الواردات من 444.2 مليار جنيه إلى 532.2 مليار جنيه.
المهم هنا ليس الرقم وحده، وإنما ما وراءه. كلما تمكن الاقتصاد من إنتاج سلع وخدمات تجد طلبًا في الخارج، أصبح قادرًا على توليد موارد من نشاطه الحقيقي، بدلًا من الاعتماد فقط على حركة الأموال داخل السوق.
والاستثمار أيضًا لا ينبغي أن يُقاس بحجمه فقط. فهناك استثمار يذهب إلى مصنع جديد أو خط إنتاج أو مشروع زراعي أو تكنولوجي، وهناك أموال تدخل السوق بحثًا عن ارتفاع سعر أصل موجود بالفعل. كلاهما حركة مالية، لكن أثرهما على الاقتصاد ليس واحدًا.
ولهذا يصبح من الضروري أن تكون الأولوية دائمًا لتحويل رأس المال إلى طاقة إنتاجية. فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى أموال أكثر، وإنما إلى أموال تعمل.
وفي ظل تضخم بلغ 14.5% في المدن خلال أغسطس 2026، بينما سجل التضخم الأساسي 14.9%، يصبح الحديث عن الإنتاج أكثر ارتباطًا بحياة الناس اليومية. فزيادة المعروض من السلع والخدمات ورفع كفاءة الإنتاج وتحسين سلاسل الإمداد عوامل لا تقل أهمية عن القرارات النقدية والمالية في مواجهة الضغوط السعرية.
المشكلة إذن ليست في أن يربح المستثمر، ولا في أن تتحرك الأسواق، ولا في أن يبحث رأس المال عن أفضل عائد. هذه طبيعة الاقتصاد.
المشكلة في أن يتحول الاقتصاد كله إلى سباق على أسعار الأصول، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال الأهم: ماذا ننتج؟
فالاقتصاد القوي ليس الذي تتحرك فيه الأموال بأسرع ما يمكن، وإنما الذي يستطيع أن يحول هذه الأموال إلى مصانع ومشروعات ووظائف وسلع وخدمات وصادرات.







