قراءة في كتاب Essentialism الجوهرية.. فن التركيز على ما هو مهم فعلًا

 

في عالم يطلب من الإنسان أن يفعل المزيد طوال الوقت تبدو فكرة أن تفعل أقل وكأنها دعوة إلى التراجع بينما يحاول كتاب Essentialism للكاتب جريج ماكيون أن يقلب هذه الفكرة تمامًا فالكتاب لا يتحدث عن الكسل ولا عن الهروب من المسؤولية وإنما عن سؤال أكثر أهمية وهو ماذا لو كانت المشكلة ليست في قلة الوقت وإنما في كثرة الأشياء التي نسمح لها بالدخول إلى حياتنا وماذا لو كان جزء كبير من الضغط الذي نشعر به ناتجًا عن محاولتنا أن نفعل كل شيء بدل أن نختار الأشياء القليلة التي تستحق فعلًا أن نعطيها وقتنا وطاقة عقلنا

ينطلق ماكيون من فكرة بسيطة لكنها عميقة وهي أن الإنسان يعيش في عالم مليء بالاختيارات والفرص والطلبات وأن زيادة الخيارات لا تعني بالضرورة زيادة الحرية ففي كل مرة نقول نعم لمهمة جديدة فإننا نستهلك جزءًا من وقتنا وطاقتنا التي لن نستطيع استخدامها في شيء آخر ولذلك فإن الحياة تصبح مع الوقت مجموعة من الالتزامات المتراكمة التي قد يكون كل واحد منها منطقيًا بمفرده لكن مجموعها يجعل الإنسان مشتتًا وغير قادر على إعطاء أي شيء الاهتمام الكافي وهنا تظهر الفكرة الأساسية للكتاب وهي أن الإنسان الذي يريد أن يعيش بصورة أكثر فاعلية يحتاج إلى أن يتعلم فن الاختيار

الجوهرية في رؤية ماكيون تعني أن نحدد ما هو مهم فعلًا ثم نزيل أكبر قدر ممكن من الأشياء التي لا تخدم هذا الهدف وهي ليست مجرد طريقة لتنظيم الوقت لأن تنظيم الوقت يفترض أن جميع المهام مهمة ثم يحاول توزيع الساعات بينها بينما التفكير الجوهري يبدأ من سؤال مختلف تمامًا هل هذه المهمة تستحق أن تدخل حياتي أصلًا فإذا كانت الإجابة لا فإن أفضل طريقة للتعامل معها ليست البحث عن وقت لإنجازها وإنما رفضها أو تقليلها أو تفويضها

وهنا يركز الكتاب على ضرورة التوقف قبل اتخاذ القرار لأن الإنسان كثيرًا ما يقول نعم بصورة تلقائية بسبب الخوف من تفويت فرصة أو الرغبة في إرضاء الآخرين أو الشعور بالذنب تجاه الرفض وقد يجد نفسه بعد فترة محاصرًا بالتزامات لم يخترها بوعي ولذلك فإن كلمة لا تصبح في فلسفة الجوهرية أداة لحماية الأشياء التي قال الإنسان عنها نعم وليس موقفًا عدائيًا تجاه الآخرين فكل نعم لها تكلفة وكل التزام جديد يعني التخلي عن شيء آخر ولو لم نكن نراه في لحظة القرار

ومن أهم أفكار الكتاب أن الإنسان يحتاج إلى مساحة للتفكير لأن العقل المزدحم لا يستطيع التمييز بسهولة بين المهم والعاجل فالإنسان الذي ينتقل طوال اليوم بين الهاتف والرسائل والمكالمات والمهام العاجلة قد يصبح جيدًا جدًا في الاستجابة لكنه يفقد القدرة على تحديد الاتجاه ولذلك يقترح الكتاب أن تكون هناك مساحة منتظمة للهدوء والتفكير والقراءة والنظر في الأولويات لأن الوضوح لا يأتي دائمًا وسط الضجيج

وهذه الفكرة شديدة الارتباط بالعمل الصحفي والإعلامي لأن الصحفي يمكن أن يقضي يومه كله في متابعة الأخبار العاجلة والبيانات والتصريحات ومواقع التواصل لكنه في نهاية اليوم قد يكتشف أنه لم ينتج شيئًا يمثل بصمته الخاصة فالعمل الصحفي اليومي يحتاج إلى سرعة لكن بناء الاسم المهني يحتاج إلى وقت مختلف للبحث والتفكير وإجراء المقابلات واكتشاف الزوايا التي لا يقدمها الجميع ولذلك فإن الجوهرية هنا لا تعني أن يتوقف الصحفي عن الأخبار وإنما أن يحدد أي نوع من العمل يستحق أن يحصل على أفضل ساعات يومه

ويرى ماكيون أن الإنسان الجوهري لا يسأل فقط ماذا يمكنني أن أفعل وإنما يسأل ماذا يجب أن أفعل وهذا الفرق مهم لأن القدرة على إنجاز مهمة لا تعني أن إنجازها هو القرار الصحيح فقد يكون الإنسان قادرًا على كتابة تقرير إضافي أو حضور اجتماع آخر أو قبول مهمة جديدة لكنه يحتاج إلى معرفة ما إذا كان ذلك يخدم هدفه الأساسي أم يبعده عنه وفي كثير من الأحيان تكون المشكلة ليست في ضعف القدرة وإنما في سوء توزيع القدرة

ويقدم الكتاب أيضًا فكرة مهمة عن الفرص وهي أن الإنسان لا يستطيع التعامل مع كل فرصة وكأنها فرصة لا يمكن تعويضها لأن ذلك يقوده إلى مطاردة كل شيء وفي النهاية لا يمتلك وقتًا لأي شيء بصورة عميقة ولذلك يجب أن تكون هناك معايير واضحة للحكم على الفرص فإذا كانت الفرصة لا تتوافق مع الهدف الأساسي ولا تقدم قيمة كافية فقد يكون رفضها أفضل من قبولها لمجرد أنها تبدو جيدة على الورق

وهنا تظهر فكرة المفاضلة فالإنسان قد يتمنى أن يحصل على كل شيء لكنه لا يستطيع ذلك لأن الوقت والطاقة والمال والانتباه موارد محدودة وكل اختيار يعني التخلي عن اختيار آخر وهذه ليست مشكلة يجب حلها وإنما حقيقة يجب الاعتراف بها والإنسان الذي يرفض الاعتراف بالمفاضلات يعيش غالبًا في محاولة مستمرة لفعل أشياء متعارضة في الوقت نفسه أما الإنسان الجوهري فيقبل أنه لا يستطيع أن يكون في كل مكان وأنه يحتاج إلى اختيار المكان الذي يريد أن يكون فيه فعلًا

كما يتحدث الكتاب عن أهمية التخلص من الأشياء التي لم تعد مهمة فبعض الالتزامات تدخل حياتنا في وقت معين لأنها كانت مناسبة آنذاك ثم تستمر معنا رغم أن ظروفنا وأهدافنا تغيرت ولذلك يحتاج الإنسان إلى مراجعة ما يفعله باستمرار والسؤال هل ما أفعله اليوم ما زال يخدم الشخص الذي أريد أن أصبحه وهذا السؤال يمنع الماضي من التحكم في المستقبل لأن الإنسان لا يجب أن يستمر في شيء لمجرد أنه بدأه

ومن الأفكار العملية في الكتاب أن الإنسان يحتاج إلى تبسيط حياته حتى تصبح الأولويات واضحة فالتعقيد يستهلك طاقة كبيرة لأن كل مهمة إضافية تحتاج إلى متابعة وتنسيق وتفكير وحتى عندما لا نكون منشغلين بها بشكل مباشر فإنها تظل موجودة في الخلفية الذهنية ولذلك فإن تقليل الالتزامات لا يمنح الإنسان وقتًا إضافيًا فقط وإنما يمنحه عقلًا أكثر هدوءًا وقدرة على التركيز

ويربط ماكيون بين الجوهرية وبين بناء الروتين لأن الإنسان الذي يترك كل يوم مفتوحًا أمام القرارات سيضطر إلى اتخاذ عشرات القرارات الصغيرة التي تستنزف طاقته ولذلك يمكن أن تساعد العادات والأنظمة البسيطة في حماية الوقت والطاقة فبدل أن يقرر الإنسان كل يوم متى يقرأ ومتى يعمل ومتى يتوقف يمكنه أن يبني قواعد واضحة تجعل بعض القرارات تلقائية وتترك قدرته الذهنية للأشياء التي تحتاج إلى تفكير حقيقي

لكن الجوهرية لا تعني أن الإنسان يجب أن يصبح منعزلًا أو أن يرفض كل شيء فهي ليست فلسفة للعيش في فراغ وإنما طريقة لترتيب المشاركة في الحياة فالإنسان يستطيع أن يساعد الآخرين وأن يعمل ضمن فريق وأن يقبل مسؤوليات كثيرة لكنه يفعل ذلك بعد أن يعرف أولوياته وحدوده بدل أن يجعل رغبات الآخرين هي التي تحدد شكل يومه

وفي النهاية يضع الكتاب أمام القارئ فكرة شديدة البساطة وهي أن الحياة ليست فقط مجموع الأشياء التي فعلناها وإنما أيضًا مجموع الأشياء التي اخترنا ألا نفعلها فالإنسان لا يستطيع أن يصنع حياة ذات معنى إذا ترك كل شيء مهمًا بنفس الدرجة لأن الأشياء المهمة ستتنافس على نفس الساعات المحدودة ولذلك فإن القوة الحقيقية ليست في أن تفعل أكثر من الآخرين وإنما في أن تعرف ما الذي يستحق أن تفعله ثم تمنحه تركيزك الكامل

خلاصة الكتاب في 10 نقاط

1 الجوهرية تعني التركيز على الأشياء القليلة التي تصنع أكبر قيمة

2 ليس كل شيء مهمًا بنفس الدرجة حتى لو بدا كذلك في لحظة معينة

3 قول لا يساعد الإنسان على حماية الأشياء التي اختار أن يقول لها نعم

4 كثرة الخيارات والالتزامات قد تقلل الحرية بدل أن تزيدها

5 التفكير الواضح يحتاج إلى مساحة هادئة بعيدًا عن الضجيج والمطالب المستمرة

6 كل قرار بالموافقة على شيء يعني ضمنيًا التخلي عن وقت أو طاقة كان يمكن استخدامها في شيء آخر

7 القدرة على القيام بمهمة لا تعني أن القيام بها هو القرار الصحيح

8 الفرص تحتاج إلى معايير واضحة حتى لا يتحول السعي وراءها إلى تشتت

9 التخلص من الالتزامات القديمة التي لم تعد تخدم أهداف الإنسان يفتح مساحة جديدة للحياة والعمل

10 النجاح لا يعني فعل كل شيء وإنما اختيار الأشياء التي تستحق فعلًا أن تمنحها وقتك وطاقتك

الكلمة الأخيرة

Essentialism يضع أمام الإنسان سؤالًا قد يبدو بسيطًا لكنه قادر على تغيير طريقة عيشه وهو ما الشيء الذي يستحق فعلًا أن أعطيه وقتي فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست أننا لا نعمل بما يكفي وإنما أننا نوزع أفضل ما لدينا على أشياء كثيرة جدًا حتى لا يبقى لدينا ما يكفي للأشياء التي تهمنا فعلًا والجوهرية ليست دعوة إلى فعل القليل لمجرد فعل القليل وإنما دعوة إلى أن يكون القليل الذي نفعله مقصودًا وعميقًا ومتوافقًا مع الحياة التي نريد بناءها

بطاقة بيانات الكتاب

اسم الكتاب Essentialism

العنوان الكامل Essentialism The Disciplined Pursuit of Less

المؤلف Greg McKeown

الناشر Crown Business

مكان النشر New York

تاريخ النشر 15 أبريل 2014

الطبعة الطبعة الأولى

عدد الصفحات 272 صفحة

ISBN 9780804137386

المجال تطوير الذات والإنتاجية وإدارة الوقت والقيادة

موضوع الكتاب التركيز على الأولويات وتقليل الالتزامات غير الضرورية واختيار ما يستحق الوقت والطاقة

الرسالة الأساسية في الكتاب أن الحياة الأكثر فاعلية لا تأتي من محاولة فعل كل

شيء وإنما من تحديد ما هو مهم فعلًا ثم إزالة ما عداه والتعامل مع الأولويات بوعي وانضباط

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *