قراءة في كتاب Grit قوة الشغف والمثابرة

لماذا يستطيع بعض الناس الاستمرار عندما يصبح الطريق طويلًا وصعبًا

هناك لحظات في حياة الإنسان لا يكون فيها الفرق بين شخص وآخر هو الموهبة ولا الذكاء ولا حتى الفرصة وإنما القدرة على الاستمرار عندما تتوقف النتائج عن الظهور بسرعة ففي البداية يمكن للحماس أن يدفع الإنسان إلى العمل ويمكن للموهبة أن تمنحه أفضلية ويمكن للفرصة أن تفتح له الباب لكن كل هذه الأشياء قد لا تكون كافية عندما يصبح الطريق طويلًا وتبدأ الصعوبات في التراكم ويصبح السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع أن تبدأ وإنما هل تستطيع أن تستمر

من هذه النقطة تبدأ أنجيلا دكوورث كتابها قوة الشغف والمثابرة بفكرة أساسية وهي أن الإنجاز الكبير لا يعتمد فقط على مقدار الموهبة التي يمتلكها الإنسان وإنما يعتمد كذلك على قدرته على الجمع بين الاهتمام المستمر بهدف معين والمثابرة لفترة طويلة وهذا ما تسميه الكاتبة Grit وهي كلمة يصعب اختزالها في معنى عربي واحد لأنها تجمع بين الصلابة والمثابرة والإصرار والاستمرار والشغف طويل المدى

لكن الكتاب لا يقدم المثابرة باعتبارها مجرد عناد فالعناد قد يجعل الإنسان يستمر في الطريق الخطأ بينما المثابرة التي تتحدث عنها دكوورث مرتبطة بهدف له معنى بالنسبة للإنسان وباستعداد لتطوير الطريقة التي يسير بها نحوه ولذلك فإن الشخص صاحب العزيمة لا يكرر الشيء نفسه بلا تفكير وإنما يستمر في الهدف ويعدل الأسلوب عندما يكتشف أن الأسلوب القديم لا يعمل

وتبدأ الكاتبة بتحدي الاعتقاد الشائع بأن أصحاب الإنجازات الكبيرة ولدوا بقدرات استثنائية تجعل نجاحهم شبه حتمي فهي ترى أن الموهبة مهمة لكنها ليست كل شيء لأن الموهبة تحتاج إلى تدريب حتى تتحول إلى مهارة والمهارة تحتاج إلى ممارسة حتى تتحول إلى إنجاز وهذه الفكرة تضع أمامنا سلسلة مهمة تبدأ بالقدرة ثم التدريب ثم الأداء ثم التحسن المستمر

فالإنسان قد يمتلك قدرة طبيعية في مجال معين لكنه إذا لم يستخدمها فلن تتحول إلى نتيجة ملموسة وفي المقابل قد يبدأ شخص بقدرة أقل لكنه يستثمر وقتًا طويلًا في التعلم والتدريب ويحصل على ملاحظات ويصحح أخطاءه حتى يصبح أداؤه أعلى مما كان متوقعًا منه ولهذا فإن الفرق بين الناس لا يظهر دائمًا في نقطة البداية وإنما قد يظهر بصورة أكبر في الطريقة التي يتعامل بها كل شخص مع السنوات التالية

وهنا تصبح الممارسة المتعمدة واحدة من أهم أفكار الكتاب فالتكرار وحده لا يصنع الإتقان لأن الإنسان يستطيع أن يكرر الشيء نفسه مئات المرات دون أن يتحسن إذا كان لا يراجع أخطاءه ولا يواجه نقاط ضعفه أما التدريب الحقيقي فيحتاج إلى أن يعرف الإنسان ما الذي يريد تحسينه وأن يعمل عليه بصورة مقصودة وأن يحصل على ملاحظات واضحة ثم يعيد المحاولة من جديد

وهذه الفكرة مهمة جدًا في أي مهنة لأن عدد سنوات العمل لا يكفي وحده للحكم على الخبرة فقد يعمل شخص عشر سنوات بالطريقة نفسها بينما يستغل شخص آخر السنوات نفسها في تطوير أدواته وتوسيع معرفته وتجربة أساليب مختلفة والحصول على ملاحظات مستمرة وفي النهاية قد يصبح الفرق بينهما كبيرًا رغم أن عدد السنوات متقارب

لكن المثابرة لا تبدأ من الفراغ فهي تحتاج إلى اهتمام حقيقي بشيء ما ولذلك تفرق دكوورث بين الاهتمام الذي يتكون تدريجيًا وبين الصورة الرومانسية التي تقول إن كل إنسان لديه شغف واحد مخفي بداخله وينتظر أن يكتشفه فالاهتمام في كثير من الأحيان يبدأ بفضول بسيط ثم ينمو من خلال التجربة ويصبح أعمق مع الوقت عندما يتعلم الإنسان أكثر ويصبح أكثر قدرة على رؤية تفاصيل المجال

وهذه النقطة تتقاطع بصورة واضحة مع كتاب كن جيدًا إلى درجة لا يستطيعون تجاهلك لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى العثور على شغفه قبل أن يبدأ فقد يبدأ في مجال ما ثم يكتشف داخله شيئًا يستحق الاستمرار ومع نمو المهارة يصبح الاهتمام أكثر وضوحًا ويبدأ العمل في اكتساب معنى مختلف

ومن هنا تظهر أهمية وجود هدف طويل المدى فالإنسان الذي لديه مجموعة كبيرة من الأهداف الصغيرة المتناقضة قد يجد صعوبة في توجيه طاقته بينما يساعد الهدف الأكبر على إعطاء معنى للمهام اليومية فالتدريب اليومي أو الدراسة أو العمل المتكرر قد يبدو بلا قيمة إذا نظرنا إليه منفصلًا لكن عندما يصبح جزءًا من هدف أكبر يبدأ الإنسان في رؤية العلاقة بين التفاصيل والنتيجة النهائية

وتطرح الكاتبة فكرة مهمة وهي أن الأهداف يجب أن تكون مرتبة بحيث تخدم بعضها بعضًا فالهدف الأعلى يمثل الاتجاه العام بينما توجد تحته أهداف متوسطة وأهداف يومية تساعد على تنفيذ هذا الاتجاه وبهذه الطريقة لا يصبح الإنسان أسيرًا لمهمة صغيرة وينسى لماذا بدأ من الأساس

لكن الاستمرار لا يعني أن الإنسان يجب أن يرفض التغيير دائمًا فهناك فرق بين تغيير الوسيلة والتخلي عن الهدف فإذا لم تنجح طريقة معينة يمكن تغييرها وإذا لم يناسبك أسلوب تدريب معين يمكن تعديله لكن التخلي عن الهدف عند أول عقبة يجعل كل تجربة جديدة تبدأ من الصفر ولذلك فإن المرونة داخل الثبات تصبح جزءًا من العزيمة

وتتناول دكوورث كذلك دور الأزمات والإخفاقات في بناء المثابرة فالإنسان لا يعرف عادة مستوى قدرته على الاستمرار قبل أن يواجه شيئًا يجعله يريد التوقف وقد يكون الفشل مؤلمًا لكنه يقدم معلومات مهمة عن الطريقة التي يعمل بها الإنسان وعن نقاط ضعفه وعن الأشياء التي تحتاج إلى تعديل

لكن الكتاب لا يحول الفشل إلى قصة رومانسية لأن الفشل ليس مفيدًا تلقائيًا فقد يخرج منه الإنسان محبطًا إذا لم يعرف كيف يتعامل معه ولذلك فإن المهم هو الطريقة التي يتم بها تفسير التجربة فإذا رأى الإنسان الفشل دليلًا على أنه غير قادر فقد يتوقف أما إذا اعتبره معلومات تساعده على تحسين طريقته فقد يصبح جزءًا من عملية التعلم

وهنا تظهر أهمية ما تسميه الكاتبة عقلية النمو وهي فكرة ترتبط بالاعتقاد بأن القدرات يمكن تطويرها من خلال التعلم والممارسة بدل النظر إليها باعتبارها صفات ثابتة لا تتغير وهذه العقلية تجعل الإنسان أكثر استعدادًا لمواجهة الصعوبة لأن الصعوبة لا تعني بالضرورة أنه غير موهوب وإنما قد تعني أنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب

لكن وجود عقلية نمو وحده لا يكفي فالإنسان يحتاج إلى بيئة تشجعه على الاستمرار وتمنحه ملاحظات وتساعده على فهم الأخطاء ولذلك تنتقل الكاتبة من الفرد إلى الأسرة والمدرسة والعمل وتناقش كيف يمكن للبيئة أن تساعد في بناء العزيمة

وتشير إلى أهمية ما تسميه التربية الداعمة والحازمة في الوقت نفسه فالإنسان يحتاج إلى شخص يؤمن بقدرته لكنه يحتاج كذلك إلى شخص يضع أمامه معايير واضحة ويطالبه بالالتزام بها فالدعم وحده قد يتحول إلى تدليل بينما الصرامة وحدها قد تتحول إلى ضغط ولذلك فإن الجمع بين التشجيع والتوقعات المرتفعة يمكن أن يصنع بيئة تساعد على النمو

وتظهر هذه الفكرة بوضوح في التعليم والتدريب الرياضي والعمل لأن الشخص الذي يتلقى ملاحظات واضحة يعرف ما الذي يحتاج إلى تحسينه بينما الشخص الذي يسمع فقط أنك ممتاز قد يشعر بالرضا لكنه لا يعرف أين يجب أن يتطور ولذلك فإن الملاحظات الصادقة جزء أساسي من بناء المهارة

وتتحدث الكاتبة أيضًا عن قوة الثقافة داخل المؤسسات فالمؤسسة التي تقدر الاستمرار والانضباط والتعلم يمكن أن تجعل هذه القيم جزءًا من السلوك اليومي لأفرادها بينما المؤسسة التي تكافئ النتائج السريعة فقط قد تدفع الناس إلى البحث عن المكاسب القصيرة بدل بناء مهارات طويلة المدى

وهنا تظهر أهمية العادات لأن المثابرة لا تعتمد دائمًا على قوة الإرادة في كل لحظة فالإنسان الذي ينتظر أن يكون متحمسًا كل يوم قد يتوقف كثيرًا بينما الإنسان الذي يبني روتينًا واضحًا يجعل بعض السلوكيات تلقائية يصبح أقل اعتمادًا على الحالة المزاجية

فقد لا يشعر الصحفي مثلًا بالرغبة في قراءة ملف طويل في كل يوم وقد لا يشعر اللاعب بالحماس لكل جلسة تدريب وقد لا يشعر الطالب بالاستعداد لكل ساعة دراسة لكن وجود نظام يجعل العمل جزءًا من اليوم يساعد الإنسان على الاستمرار حتى عندما يختفي الحماس

وهذا يقود إلى فكرة مهمة جدًا وهي أن النجاح طويل المدى لا يمكن أن يعتمد على الحماس وحده فالحماس متغير بينما العادة أكثر استقرارًا والهدف الطويل يعطي للعادة معنى ويجعلها قابلة للاستمرار

لكن الكتاب في الوقت نفسه لا يدعو الإنسان إلى العمل بلا توقف لأن الاستمرار الحقيقي يحتاج إلى طاقة وإلى راحة وإلى القدرة على العودة في اليوم التالي فالإرهاق المستمر يمكن أن يجعل الإنسان يكره المجال الذي كان يحبه ولذلك فإن الحفاظ على القدرة على الاستمرار جزء من المثابرة نفسها

ومن هنا تصبح العزيمة مهارة مركبة وليست مجرد صفة واحدة فهي تحتاج إلى اهتمام وهدف واضح وممارسة متعمدة وعادات وبيئة مناسبة وقدرة على التعامل مع الفشل وصبر طويل وكل عنصر من هذه العناصر يدعم الآخر

وبالنسبة للمسار المهني فإن الكتاب يغير طريقة النظر إلى السنوات الأولى من العمل فقد لا تكون النتيجة واضحة في البداية وقد تمر فترات يشعر فيها الإنسان أنه يتحرك ببطء لكن إذا كان يطور مهاراته ويجمع خبرات ويقترب من هدف واضح فإن هذه السنوات يمكن أن تكون جزءًا من تراكم لا يظهر أثره فورًا

فالصحفي الذي يبدأ بكتابة الأخبار اليومية قد لا يرى في كل خبر فرصة لبناء مهارة لكنه مع الوقت يستطيع أن يتعلم الوصول إلى المصادر والتحقق من المعلومات وصناعة العنوان وإدارة المقابلات وفهم القصة وبناء شبكة علاقات ومع تراكم هذه الأدوات يصبح قادرًا على تنفيذ أشياء لم يكن قادرًا عليها في بداية الطريق

وهنا لا تكون المثابرة مجرد البقاء في الوظيفة وإنما تحويل الوقت إلى نمو فالاستمرار الذي لا ينتج عنه تعلم قد يصبح مجرد تكرار بينما الاستمرار الذي يصاحبه تطوير يجعل السنوات تعمل لصالح الإنسان

ومن أهم أفكار الكتاب أيضًا أن العزيمة ليست ثابتة بالضرورة فقد يكون الإنسان شديد المثابرة في مجال معين وضعيفًا في مجال آخر ولذلك فإن بناء العزيمة يمكن أن يحدث من خلال اختيار أهداف ذات معنى وبناء عادات مناسبة وتوفير بيئة تساعد على الاستمرار

وفي النهاية فإن الكتاب لا يقدم وصفة للنجاح السريع وإنما يقدم تفسيرًا مختلفًا للإنجاز الطويل فهو يقول إن بعض أعظم النتائج لا تظهر لأن شخصًا كان الأكثر موهبة منذ البداية وإنما لأن هذا الشخص استمر في التعلم والتدريب والتعديل والعمل على هدفه لفترة طويلة بما يكفي حتى أصبحت الفوارق الصغيرة في الأداء كبيرة

والرسالة الأعمق هنا أن الطريق الطويل يحتاج إلى شخصية تستطيع تحمل البطء لأن النتائج الكبيرة نادرًا ما تأتي بالسرعة التي نتخيلها ولذلك فإن الإنسان الذي يستطيع أن يعمل اليوم من أجل شيء قد لا يرى ثماره إلا بعد سنوات يمتلك ميزة مهمة جدًا في عالم يبحث فيه الجميع عن النتائج السريعة

خلاصة الكتاب في 10 نقاط

1 العزيمة تجمع بين الاهتمام طويل المدى والمثابرة

2 الموهبة مهمة لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الإنجاز

3 التدريب المتعمد يحول القدرة إلى مهارة قابلة للتطور

4 الاهتمام المهني قد ينمو تدريجيًا من خلال التجربة والتعلم

5 الأهداف الطويلة تساعد على إعطاء معنى للمهام اليومية

6 تغيير الوسيلة لا يعني بالضرورة التخلي عن الهدف

7 الفشل يمكن أن يصبح مصدرًا للتعلم عندما يتم التعامل معه بصورة صحيحة

8 عقلية النمو تساعد الإنسان على رؤية القدرات باعتبارها قابلة للتطوير

9 العادات والبيئة المناسبة تساعد على الاستمرار عندما يقل الحماس

10 الإنجاز الكبير يحتاج إلى وقت طويل وتراكم مستمر وليس إلى لحظة واحدة من الإلهام

الكلمة الأخيرة

أحيانًا لا يكون الفرق بين شخص وصل وشخص توقف هو أن الأول كان أكثر موهبة وإنما أنه استطاع أن يتحمل المسافة الطويلة بين البداية والنتيجة فالإنسان يرى لحظة النجاح لكنه لا يرى الأيام التي سبقتها ولا التدريبات التي لم يشاهدها أحد ولا المحاولات التي انتهت بالفشل

والعزيمة ليست أن تستمر في كل شيء إلى الأبد وإنما أن تعرف ما الذي يستحق أن تستمر من أجله وأن تكون مستعدًا لتغيير طريقتك دون أن تفقد الاتجاه فالطريق الطويل لا يحتاج إلى شخص لا يتعب وإنما يحتاج إلى شخص يعرف كيف يتعامل مع التعب وكيف يعود بعده

وفي النهاية فإن بناء المستقبل لا يحدث عادة في لحظة واحدة وإنما في مجموعة كبيرة من الأيام العادية التي يختار فيها الإنسان أن يتقدم خطوة أخرى حتى عندما لا تكون هناك نتيجة واضحة أمامه وربما تكون هذه الخطوات الصغيرة هي التي تصنع في النهاية الفارق الكبير

بطاقة بيانات الكتاب

اسم الكتاب Grit

العنوان الكامل Grit The Power of Passion and Perseverance

المؤلفة Angela Duckworth

الناشر Scribner

مكان النشر New York

تاريخ النشر 3 مايو 2016

الطبعة الطبعة الأولى

عدد الصفحات 352 صفحة

ISBN 9781501111105

المجال تطوير الذات وعلم النفس والتعليم والنجاح

موضوع الكتاب دور الشغف طويل المدى والمثابرة والتدريب والعادات والبيئة في تحقيق الإنجازات الكبيرة

الرسالة الأساسية في الكتاب أن الإنجاز طويل المدى لا يعتمد

على الموهبة وحدها وإنما يحتاج إلى اهتمام مستمر بهدف مهم ومثابرة على تطوير المهارات والعمل من أجل هذا الهدف عبر فترة طويلة

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *