قراءة في كتاب The Psychology of Money

هناك أشياء كثيرة في الحياة نظن أن النجاح فيها يحتاج إلى المعرفة وحدها لكن المال يكشف لنا بسرعة أن المعرفة ليست دائمًا العامل الحاسم فقد يعرف شخص كيف يستثمر وكيف يدخر وكيف يحسب المخاطر ومع ذلك يتخذ قرارات سيئة بينما يستطيع شخص آخر أن يعرف أقل بكثير لكنه يتصرف بهدوء وصبر ويحقق نتائج أفضل لأن علاقته بالمال لا تحكمها المعلومات فقط وإنما تحكمها شخصيته وتجربته ومخاوفه وطموحاته وطريقة نظرته إلى الحياة

من هنا يبدأ مورجان هاوسل كتابه سيكولوجية المال من فكرة تبدو بسيطة لكنها تغير طريقة النظر إلى الثروة والاستثمار وهي أن التعامل مع المال سلوك إنساني قبل أن يكون مسألة حسابية فالناس لا يتخذون قراراتهم المالية وهم جالسون أمام آلة حاسبة فقط وإنما يحمل كل شخص معه تاريخًا كاملًا من التجارب التي صنعت نظرته إلى المخاطرة والإنفاق والادخار والنجاح والفشل ولذلك يمكن أن يرى شخصان الموقف المالي نفسه ثم يتخذ كل منهما قرارًا مختلفًا تمامًا ويعتقد كل واحد منهما أن قراره منطقي

والسبب في ذلك أن الإنسان لا يتعامل مع المال من نقطة محايدة فالشخص الذي عاش طفولته في فترة اقتصادية صعبة قد يصبح أكثر خوفًا من المخاطرة بينما الشخص الذي نشأ في مرحلة ازدهار قد يرى الفرص بصورة مختلفة والشخص الذي شاهد أسرته تفقد أموالها قد يفضل الأمان على العائد المرتفع بينما شخص آخر يرى أن عدم المخاطرة هو الخطر الحقيقي وهنا يحاول الكتاب أن يحرر القارئ من فكرة أن الآخرين يتصرفون بطريقة غبية لمجرد أنهم لا يتخذون القرارات نفسها التي يتخذها هو فالناس يتصرفون بناء على تجاربهم الخاصة وليس بناء على تجربة واحدة مشتركة بين الجميع

ومن أهم الأفكار التي يكررها الكتاب أن الحظ والمخاطرة موجودان في كل قصة نجاح أو فشل ولذلك من الخطأ أن ننظر إلى النتيجة وحدها ونبني عليها حكمًا كاملًا فنجاح شخص في الاستثمار لا يعني بالضرورة أن كل قراراته كانت صحيحة وفشل شخص آخر لا يعني بالضرورة أنه اتخذ كل القرارات الخاطئة فقد تتدخل ظروف لا يملك الإنسان السيطرة عليها وقد تمنح الظروف شخصًا فرصة لا يحصل عليها غيره وقد تحول نتيجة واحدة صغيرة مسار حياة كاملة ولهذا فإن فهم المال يحتاج إلى قدر من التواضع لأننا لا نعرف دائمًا مقدار ما صنعته قراراتنا ومقدار ما صنعته الظروف من حولنا

ثم ينتقل هاوسل إلى فكرة الطموح التي يمكن أن تتحول بسهولة إلى فخ فالإنسان عندما يحقق هدفًا ماليًا قد لا يتوقف تلقائيًا بل يبدأ في رفع الهدف من جديد فيصبح ما كان حلمًا بالأمس مجرد نقطة بداية اليوم وهنا تظهر مشكلة أن المال يمكن أن يتحول من وسيلة إلى سباق بلا نهاية فكلما ارتفع مستوى الدخل ارتفعت معه توقعات الإنسان وقد يصبح امتلاك المزيد أهم من الاستمتاع بما يمتلكه بالفعل ولذلك فإن معرفة معنى الكفاية ربما تكون من أهم المهارات المالية التي يمكن أن يمتلكها الإنسان

ويولي الكتاب أهمية كبيرة لفكرة التراكم لأن النتائج المالية الكبرى لا تأتي دائمًا من القرارات المذهلة وإنما قد تأتي من الاستمرار لفترة طويلة فالاستثمار لا يحتاج فقط إلى اختيار فرصة جيدة بل يحتاج إلى الوقت حتى تعمل النتائج فوق النتائج السابقة وكلما طال الزمن أصبح أثر التراكم أكثر وضوحًا وهذا يجعل الصبر عنصرًا ماليًا وليس مجرد صفة شخصية فالإنسان الذي يستطيع أن يترك أمواله تنمو بهدوء قد يتفوق على شخص يبحث باستمرار عن الفرصة الجديدة التي تحقق له مكسبًا سريعًا

لكن بناء الثروة يختلف عن الحفاظ عليها فالحصول على المال قد يحتاج إلى الجرأة والعمل والمخاطرة بينما الاحتفاظ به يحتاج إلى شيء مختلف وهو القدرة على البقاء في اللعبة وعدم التعرض لخسارة تقضي على كل ما سبق ولهذا تصبح إدارة المخاطر جزءًا أساسيًا من التفكير المالي فالقرار الذي يمكن أن يضاعف المال لكنه يحمل احتمالًا كبيرًا لخسارة كل شيء قد يكون أقل فائدة من قرار أكثر هدوءًا يسمح للإنسان بالاستمرار سنوات طويلة

ومن أكثر أفكار الكتاب ارتباطًا بالحياة اليومية أن الثروة الحقيقية ليست دائمًا ما يظهر أمام الناس فالسيارة الفاخرة والمنزل الكبير والملابس الغالية كلها أشياء يمكن رؤيتها لكن المال الذي لم يتم إنفاقه لا يمكن رؤيته بسهولة ولذلك قد يبدو شخص غنيًا لأنه ينفق كثيرًا بينما يكون شخص آخر أكثر ثراء لأنه يملك أصولًا واحتياطيات ولا يشعر بالحاجة إلى إثبات قدرته المالية أمام الآخرين وهنا يضع هاوسل فرقًا مهمًا بين أن تكون غنيًا في نظر الناس وأن تمتلك ثروة تمنحك حرية الاختيار

وهذا يقود إلى واحدة من أهم الأفكار في الكتاب وهي أن المال في أفضل حالاته يمنح الإنسان السيطرة على وقته فالهدف الأعمق من الثروة ليس امتلاك الأشياء وإنما امتلاك القدرة على اختيار كيف تعيش ومتى تعمل ومتى تتوقف وما الذي تقبله وما الذي ترفضه فكلما زادت قدرتك على التحكم في وقتك قلت حاجتك إلى اتخاذ قراراتك تحت ضغط الحاجة ولهذا تصبح الحرية واحدة من أهم العوائد التي يمكن أن يمنحها المال

كما يرفض الكتاب فكرة أن هناك وصفة مالية واحدة تصلح للجميع فما هو منطقي لشخص قد لا يكون مناسبًا لشخص آخر لأن الأهداف مختلفة والظروف مختلفة وقدرة تحمل المخاطر مختلفة ولذلك فإن التصرف المعقول قد يكون أحيانًا أهم من التصرف المثالي على الورق فالإنسان يحتاج إلى خطة يستطيع الالتزام بها وليس خطة تبدو مثالية لكنها تدفعه إلى القلق والتراجع عند أول أزمة

ويتحدث هاوسل أيضًا عن أهمية وجود مساحة للخطأ لأن المستقبل لا يمكن التنبؤ به بصورة كاملة وقد تحدث أزمات لم تكن موجودة في الحسابات الأصلية ولذلك فإن الخطة التي تفترض أن كل شيء سيحدث كما هو متوقع تكون أكثر هشاشة من خطة تترك مجالًا للمفاجآت والظروف الطارئة وهذه الفكرة لا تخص الاستثمار فقط وإنما يمكن تطبيقها على الحياة المهنية أيضًا فمن يضع كل مستقبله في مسار واحد دون بدائل قد يجد نفسه في أزمة كبيرة إذا تغيرت الظروف بينما من يترك لنفسه هامشًا من الوقت والمال والمهارات يستطيع التعامل مع التغير بصورة أفضل

وفي عالم اليوم أصبحت مقارنة النفس بالآخرين أكثر سهولة من أي وقت مضى لأن الإنسان يرى باستمرار صورًا للنجاح والثراء والسفر والمنازل والسيارات والمشروعات ولذلك قد يشعر أن الجميع يتقدمون بينما هو متأخر لكن الكتاب يذكرنا بطريقة غير مباشرة بأننا نرى النتائج ولا نرى الثمن الذي دفعه أصحابها ولا نرى المخاطر التي تحملوها ولا نرى ما تنازلوا عنه ولذلك فإن بناء حياة مالية اعتمادًا على مقارنة نفسك بالآخرين قد يحول المال من وسيلة للحرية إلى مصدر دائم للضغط

والكتاب لا يقدم المال باعتباره هدفًا منفصلًا عن بقية الحياة وإنما يضعه داخل منظومة أوسع من السلوك والاختيارات فالشخص الذي يستطيع أن يكسب المال لكنه لا يستطيع التحكم في رغباته قد يظل غير مستقر والشخص الذي يعرف كيف يستثمر لكنه لا يتحمل تقلبات السوق قد يبيع في أسوأ لحظة والشخص الذي يحقق دخلًا مرتفعًا لكنه ينفق كل ما يكسبه قد لا يكون أقرب إلى الحرية من شخص دخله أقل لكنه يدخر باستمرار ولذلك فإن النجاح المالي في النهاية ليس مسألة مقدار ما تكسبه فقط وإنما مقدار ما تستطيع الاحتفاظ به ومقدار الحرية التي تستطيع أن تصنعها من خلاله

ومن هنا تصبح البساطة فكرة قوية في الكتاب فالمال ليس مسابقة لإثبات الذكاء وليس مطلوبًا من الإنسان أن يتخذ عشرات القرارات المعقدة كل يوم حتى ينجح ماليًا بل قد يكون الاستمرار في خطة بسيطة قابلة للتحمل أفضل من مطاردة القرارات المثيرة باستمرار لأن أكبر الأخطاء المالية لا تأتي دائمًا من نقص المعلومات وإنما قد تأتي من السلوك تحت تأثير الخوف والطمع والاستعجال والرغبة في التفوق على الآخرين

وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما ننتقل من المال إلى الحياة المهنية فالإنسان قد يشعر أحيانًا أنه يجب أن يثبت نفسه بسرعة وأن يصل إلى مكان معين في وقت محدد وأن يحقق نتائج أكبر من الآخرين لكن هذا التفكير قد يجعله يتخذ قرارات قصيرة المدى لا تخدم مساره الحقيقي بينما بناء الخبرة والسمعة والمهارات يحتاج إلى وقت طويل وربما تكون بعض السنوات التي تبدو بطيئة في لحظتها هي التي تصنع الفارق بعد ذلك لأن التراكم لا يظهر كاملًا أثناء حدوثه وإنما يظهر عندما تتجمع النتائج فوق بعضها

ويحذر الكتاب كذلك من اليقين الزائد فالاقتصاد والأسواق والحياة كلها مليئة بالمفاجآت ولذلك فإن الاعتقاد بأن المستقبل واضح يمكن أن يقود إلى قرارات خطرة بينما الاعتراف بعدم اليقين يجعل الإنسان أكثر استعدادًا للمفاجآت وهذا لا يعني الخوف من المستقبل وإنما يعني التعامل معه باعتباره مساحة مفتوحة تحتوي على احتمالات كثيرة

وفي النهاية فإن سيكولوجية المال ليس كتابًا عن كيفية تحقيق الثراء السريع ولا يقدم للقارئ طريقة سحرية لتحويل مبلغ صغير إلى ثروة ضخمة بل يحاول أن يغير الطريقة التي يفكر بها الإنسان في المال نفسه فهو يضع السلوك في مركز المعادلة ويجعل الصبر والادخار وضبط الرغبات وإدارة المخاطر والقدرة على الاستمرار عناصر أساسية في النجاح المالي ويعيد تعريف الثروة باعتبارها مساحة من الحرية والأمان والاختيار وليس مجرد رقم يمكن عرضه أمام الآخرين

وربما تكون أهم رسالة يمكن الخروج بها من الكتاب أن علاقتنا بالمال ليست منفصلة عن علاقتنا بأنفسنا فالمال يكشف خوفنا وطموحنا وصبرنا ورغبتنا في المقارنة وحاجتنا إلى الأمان وكلما فهم الإنسان نفسه بصورة أفضل أصبح قادرًا على اتخاذ قرارات مالية أكثر اتزانًا ولذلك فإن بناء الثروة يبدأ في جزء كبير منه قبل الاستثمار وقبل اختيار الأصول وقبل حساب الأرباح يبدأ من معرفة ماذا نريد فعلًا من المال وما مقدار الكفاية التي تجعل المال يخدم حياتنا بدل أن تتحول حياتنا إلى خدمة المال

خلاصة الكتاب في 10 نقاط

1 التعامل مع المال يعتمد على السلوك بقدر اعتماده على المعرفة

2 تجارب الإنسان السابقة تؤثر في نظرته إلى المخاطرة والإنفاق والادخار

3 الحظ والمخاطرة جزء من نتائج النجاح والفشل ولا يمكن تجاهلهما

4 معرفة معنى الكفاية تحمي الإنسان من تحويل المال إلى سباق بلا نهاية

5 التراكم يحتاج إلى الوقت والصبر والاستمرار حتى تظهر نتائجه الكبيرة

6 بناء الثروة يختلف عن الحفاظ عليها لأن البقاء في اللعبة يحتاج إلى إدارة المخاطر

7 الثروة الحقيقية لا تظهر دائمًا في الأشياء التي يمتلكها الإنسان أمام الآخرين

8 أفضل استخدام للمال هو زيادة مساحة الحرية والسيطرة على الوقت والاختيارات

9 وجود هامش للخطأ والاستعداد للمفاجآت يجعل الخطة المالية أكثر قدرة على الاستمرار

10 النجاح المالي لا يتعلق فقط بزيادة الدخل وإنما بالقدرة على إدارة السلوك وبناء حياة أكثر حرية واستقرارًا

الكلمة الأخيرة

المال في النهاية ليس مجرد أوراق وأرقام وحسابات وإنما قصة شخصية يحملها كل إنسان معه ولذلك فإن فهم المال يبدأ من فهم الإنسان لنفسه ومن معرفة الأشياء التي يخاف منها والأشياء التي يسعى إليها والحد الذي يشعر عنده أن ما لديه أصبح كافيًا

أهم ما يجعل هذا الكتاب مختلفًا أنه لا يحاول أن يعلم الإنسان كيف يصبح أكثر طمعًا وإنما كيف يصبح أكثر وعيًا فهو ينقل السؤال من كيف أمتلك المزيد إلى ماذا أريد أن يفعل المال من أجلي وهذا التحول قد يكون أكثر أهمية من أي استراتيجية استثمارية لأنه يجعل المال وسيلة تخدم الحياة بدل أن تصبح الحياة وسيلة لجمع المال

والثروة في معناها الأعمق ليست أن يراك الآخرون ناجحًا وإنما أن تمتلك مساحة من الحرية تسمح لك بأن تختار وأن تتوقف وأن تبدأ من جديد وأن تتحمل المفاجآت دون أن تنهار حياتك بالكامل ولذلك فإن أفضل قرار مالي قد لا يكون دائمًا القرار الذي يحقق أكبر رقم وإنما القرار الذي يجعلك قادرًا على الاستمرار بهدوء وعلى النوم وأنت تعرف أن مستقبلك لا يعتمد على نتيجة واحدة

بطاقة بيانات الكتاب

اسم الكتاب The Psychology of Money

العنوان الكامل The Psychology of Money Timeless Lessons on Wealth Greed and Happiness

المؤلف Morgan Housel

Harriman House

مكان النشر المملكة المتحدة

تاريخ النشر 8 سبتمبر 2020

الطبعة الطبعة الأولى

عدد الصفحات 256 صفحة

ISBN 9780857197689

المجال المال والاستثمار والاقتصاد السلوكي وتطوير الذات

موضوع الكتاب العلاقة النفسية والسلوكية بين الإنسان والمال وكيف تؤثر التجارب والمشاعر والمخاطرة والصبر والعادات في القرارات المالية

الرسالة الأساسية في الكتاب أن النجاح في التعامل مع المال لا يعتمد على المعرفة المالية و

حدها وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على السلوك والقدرة على ضبط الرغبات وإدارة المخاطر والصبر والاستمرار

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *