كيف نربي أنفسنا.. حين تصبح الثقافة مسؤولية شخصية لا مهمة المدرسة

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاما نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يضع الكاتب”سلامة موسى”من خلال كتاب”كيف نربي أنفسنا” القارئ منذ البداية أمام فكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل في داخلها تغييرا كبيرا في طريقة النظر إلى الإنسان: أن التربية لا تنتهي عند المدرسة، ولا تتوقف عند الجامعة، ولا يمكن أن تظل مسؤولية الأسرة أو المجتمع وحدهما.

فالإنسان، في تصور الكتاب، يستطيع أن يشارك بنفسه في صناعة شخصيته وتكوين عقله وتوسيع مداركه، وأن يجعل من الثقافة جزءا مستمرا من حياته، لا مرحلة مؤقتة تنتهي بالحصول على شهادة.

ولهذا لا يتعامل الكتاب مع الثقافة باعتبارها مجموعة من المعلومات التي يجمعها الإنسان، وإنما باعتبارها طريقة في التفكير والنظر إلى العالم وفهم المجتمع والقدرة على التعامل مع الحياة بوعي أكبر.

ومن هنا تصبح تربية الإنسان لنفسه رحلة لا تنتهي عند سن معينة، لأن العالم نفسه لا يتوقف عن التغير، وما كان كافيا لفهم الحياة في مرحلة معينة قد لا يكون كافيا في مرحلة أخرى.

الثقافة.. لماذا نحتاج إلى أن نربي عقولنا؟

واحدة من الأفكار المركزية في الكتاب هي أن الثقافة ليست رفاهية؛ فالإنسان يعيش داخل مجتمع يتغير باستمرار، ويواجه أفكارا جديدة ومشكلات متجددة وأسئلة لم تكن موجودة في الأجيال السابقة، ولذلك فإن الجمود الفكري يمكن أن يتحول إلى عائق أمام الإنسان نفسه.

والثقافة هنا ليست مجرد حفظ للمعلومات، وإنما عملية مستمرة لإعادة بناء العقل، كل قراءة يمكن أن تفتح سؤالا، وكل سؤال يمكن أن يقود إلى قراءة أخرى، وكل معرفة جديدة يمكن أن تغير طريقة النظر إلى معرفة سابقة، وبهذا المعنى، تصبح الثقافة حركة دائمة وليست حالة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف.

المجتمع يربينا.. لكن هل نملك حق إعادة تربية أنفسنا؟

يتوقف المؤلف عند تأثير المجتمع في تكوين الفرد، فالإنسان لا يولد منفصلا عن بيئته، وإنما يتشكل وسط الأسرة والمدرسة والعادات والتقاليد والأفكار السائدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول تأثير المجتمع إلى سلطة تمنع الفرد من التفكير المستقل، فبعض الأفكار قد يرثها الإنسان لأنه وجدها أمامه، لا لأنه اختارها بعد تفكير.

وبعض العادات قد تستمر فقط لأن الناس اعتادوا عليها، ومن هنا تظهر أهمية التربية الذاتية باعتبارها محاولة لإعادة النظر في كل ما تلقيناه، والتمييز بين ما يستحق الاحتفاظ به وما يحتاج إلى مراجعة، وهذه الفكرة تمنح الكتاب بعدا يتجاوز موضوع الثقافة بمعناه الضيق، لتصبح القضية مرتبطة باستقلال الإنسان الفكري.

الفراغ.. حين يصبح الوقت مسؤولية

من الأفكار التي يناقشها الكتاب العلاقة بين زيادة وقت الفراغ وزيادة المسؤولية، فالوقت الذي لا يستثمره الإنسان في شيء مفيد يمكن أن يتحول إلى مساحة تستنزف طاقته بدلا من أن تطورها، لكن المسألة ليست مجرد ملء ساعات اليوم بأي نشاط، وإنما تحويل الوقت إلى فرصة للتعلم والتجربة والتفكير.

وهنا تبدو الفكرة شديدة الصلة بعصرنا، حيث أصبح الإنسان محاطا بوسائل لا تنتهي لاستهلاك الوقت، من مواقع التواصل إلى المحتوى السريع والترفيه المستمر، فالفراغ اليوم لم يعد يعني بالضرورة عدم وجود ما نفعله، وإنما قد يعني أحيانا وجود أشياء كثيرة نفعلها دون أن تضيف شيئا حقيقيا إلى حياتنا.

كيف نربي أنفسنا؟

يصل الكتاب إلى جوهر فكرته عندما ينتقل من الحديث عن الثقافة إلى السؤال العملي: كيف يمكن للإنسان أن يصنع لنفسه برنامجا ثقافيا؟

الفكرة هنا لا تقوم على انتظار الحماس، لأن الحماس وحده لا يصنع عادة مستمرة، إنما يحتاج الإنسان إلى أن يجعل القراءة والتعلم والتفكير جزءا من نظام حياته.

عادات تعوق الثقافة

لا يكتفي الكتاب بالحديث عن الأشياء التي ينبغي أن يفعلها الإنسان، وإنما يلفت الانتباه إلى ما يمكن أن يمنعه من التطور، فالعادات الفكرية الجامدة قد تكون أكثر خطورة من نقص المعلومات، لأن الإنسان الذي لا يعرف يمكنه أن يتعلم، أما الإنسان الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء فقد لا يرى سببا للتعلم من الأساس.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:

تقوم الفكرة الأولى على أن التربية ليست مرحلة عمرية تنتهي بانتهاء المدرسة، وإنما عملية مستمرة يعيشها الإنسان طوال حياته.

وتقوم الفكرة الثانية على أن الثقافة لا تقاس بكم المعلومات التي يمتلكها الإنسان، وإنما بقدرتها على تغيير طريقة تفكيره وفهمه للحياة.

أما الفكرة الثالثة فتتمثل في مسؤولية الفرد عن تكوين نفسه، وعدم الاعتماد الكامل على المؤسسات التعليمية أو المجتمع.

وتظهر كذلك فكرة التعلم المستمر، باعتباره وسيلة لمواكبة عالم دائم التغير.

كما يؤكد الكتاب أهمية استثمار الوقت، لأن الفراغ لا يصبح مفيدا بمجرد وجوده، وإنما بما يفعله الإنسان خلاله.

وتحضر أيضا فكرة الاستقلال الفكري، فالإنسان يحتاج إلى مراجعة ما ورثه من أفكار وعادات بدلا من قبولها بصورة تلقائية.

الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:

يخاطب الكتاب في الأساس الإنسان الذي يريد أن يفهم معنى الثقافة خارج إطار الشهادة والتعليم الرسمي، وهو مناسب للقارئ الذي يسأل نفسه عن الطريقة التي يمكن بها أن يطور عقله، وأن يجعل القراءة والتعلم جزءا من حياته اليومية.

كما يمكن أن يجد فيه الطالب ما يساعده على النظر إلى التعليم بطريقة مختلفة، باعتباره بداية لمسار طويل وليس نهاية الطريق، وقد يجد فيه الموظف أو الباحث أو القارئ العادي فكرة مهمة أيضا، وهي أن التعلم لا يرتبط بعمر محدد أو بمهنة معينة.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:

من أبرز نقاط القوة أن المؤلف لا يقدم الثقافة بوصفها ترفا خاصا بالنخبة، وإنما يحاول تحويلها إلى مشروع يمكن للإنسان أن يمارسه في حياته، كما أن الكتاب يربط الثقافة بالحياة اليومية، فلا يجعل القراءة منفصلة عن طريقة التفكير أو التعامل مع المجتمع.

وتظهر قوة أخرى في الفكرة التي تربط بين الحرية الفكرية وبين المسؤولية الشخصية، لأن امتلاك عقل مستقل لا يعني رفض كل شيء، وإنما يعني امتلاك القدرة على الفهم والمراجعة والاختيار.

ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:

إذا كان الإنسان يتأثر منذ طفولته بالأسرة والمدرسة والمجتمع والظروف الاقتصادية والثقافية، فإلى أي مدى يستطيع أن يعيد تشكيل نفسه بإرادته الخاصة؟

ربما لا يستطيع الإنسان أن يبدأ من نقطة صفر، لكنه يستطيع أن يراجع ما تلقاه وأن يضيف إليه ويغير بعض مساراته.

وهنا تصبح التربية الذاتية مساحة بين ما ورثناه وما اخترناه.

في النهاية عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه.

ويظل الكتاب الأصلي هو المرجع الأصيل لأفكار مؤلفه، وقد صدر «كيف نربي أنفسنا» لسلامة موسى عام 1946، بينما صدرت طبعات حديثة متعددة للكتاب.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: “كيف نربي أنفسنا”

المؤلف: “سلامة موسى”

تاريخ الإصدار الأصلي: 1946 وفقا للنسخة المتاحة عبر مؤسسة هنداوي.

النوع الأدبي: فكر وثقافة وتربية ذاتية

الموضوع الرئيسي: الثقافة، التعلم المستمر، التربية الذاتية، تكوين الإنسان المثقف

رقم الإيداع: 2022/30057

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *