لا يمكن لشعب من شعوب الأرض أن ينهض ليواكب متطلبات العصر الحضارية دون أن يكون شبابه علي دراية تامة بما يجب القيام به لتطوير مجتمعه، الذي تتغير متطلباته من محافظة لأخري، و من مدينة لأخري.
فإذا نظرنا للمدن الساحلية وجدنا شباب الاسكندرية مطالبين بتبني مشروعات تعيد ضبط منظومة إدارة الشواطئ بما يضمن توفير مساحات وخدمات تتناسب مع احتياجات الأسر المتوسطة ومحدودي الدخل، دون الاخلال بطبيعة المدينة وهويتها.
أخذا في الاعتبار التوجيهات الرئاسية التي تقضي بإزالة أي منشآت تحجب رؤية مياه البحر عن الجمهور، وعدم تجديد أي تعاقدات من شأنها التأثير على امتداد الرؤية البصرية على الكورنيش، حفاظا علي العلاقة التاريخية التي طالما ربطت بين سكان المدينة ومياه البحر بسحرها الجذاب عند شروق وغروب الشمس.
من هنا تأتي اهمية المركز العلمي المزمع انشاؤه بالمدينة بالتعاون مع وزارة التعليم العالي لتوثيق التراث العمراني اعتمادا على التقنيات الحديثة، بما يتيح رصد وتوثيق عناصر التراث العمراني وحمايتها، ويفتح المجال أمام توظيف التكنولوجيا والابتكار في تطوير آليات وأساليب الحفاظ على الموروث العمراني للأجيال القادمة.
اضف الي ذلك حتمية تطوير الفراغات والمناطق التراثية، واحياء المناطق التاريخية والمعمارية بوسط المدينة، بعد نجاح تجربة تطوير شارع النبي دانيال ومحيط المتحف اليوناني الروماني، واطلاق فعالية شارع الفن يومي الخميس والجمعة من كل اسبوع بشارع النبي دانيال بما يسهم في إعادة توظيف الفراغات التراثية كمساحات حية للإبداع والتفاعل المجتمعي.
وما تم التوصل اليه في مجال تطوير منظومة رصد مياه الأمطار وإدارتها باستخدام التكنولوجيا الحديثة، لرفع قدرة المحافظة على ادارة الأزمات والتعامل معها، بما يعني تحويل التحديات الحضرية إلى فرص لتطبيق الحلول العلمية والتكنولوجية، والاستفادة من مخرجات البحث العلمي في خدمة المجتمع .
اذكر انه عندما بدأت محافظة اسيوط في انشاء هضبة أسيوط الغربية، غرب مدينة اسيوط قبل خمسة عشر عاما، طلبت المكاتب الاستشارية ارقاما مالية فلكية لتصميم المدينة الجديدة، فما كان من المحافظ إلا أن اعلن علي صفحة المحافظة عن دعوته للشباب لوضع رؤية لانشاء المدينة الجديدة .
فقام الشباب بوضع تصورا لها تضمن انشاء مجتمعات راقية مرتفعة التكلفة وأخري متوسطة وثالثة للطبقات محدودة الدخل، مقترحين انشاء مدينة ناصر الجديدة لتكون واحدة من مدن الجيل الرابع حتي تصبح متنفساً عمرانياً وامتداداً طبيعياً للمحافظة.
وربطها بعاصمة المحافظة بطريق طوله 22.6كيلو متر ، بالتوازي مع ربطها بالطريق الصحراوي الغربي، وهو الأسلوب الذي اتخذته بعد ذلك العديد من المحافظات السياحية كالأقصر واسوان وجنوب سيناء، ومن بعدهم تعاون مشايخ القبائل في تطوير واحة سيوة حتي تم تسجيلها لدي اليونسكو كمدينة تراثيه.
من هنا جاءت اهمية وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية، التي تم اطلاقها شهر سبتمبر 2026، لتتضمن تعريفا للهوية المصري، والمنطلقات النظرية لها، ودوافع اصدارها واهدافها، واستراتيجية تطبيقها لتكون ثمرة لحوار مجتمعي واسع وجهود مؤسسية تشاركية بين مختلف الهيئات الحكومية والأهلية والخاصة بهدف تعزيز الهوية المصرية.
كونها أساسا للتماسك الاجتماعي والمواطنة، وركيزة أساسيةللتنمية والتقدم، وإطارا للتفاعل والانفتاح على العالم..حيث سعت الوثيقة إلى تعزيز الهوية الوطنية ، استنادا إلى الركائز الحضارية المشتركة للمصريين، وتنوعهم.
وجهت الوثيقة الدعوة لأطراف متعددة في إطار الشراكة المجتمعية بين المؤسسات الحكومية والأهلية، ممثلة في الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية، ولثقافية، والمجتمع المدني، والكيانات التي تعمل على التواصل مع المصريين في الخارج.
ارتكزت الوثيقة على مجموعة من الأسس المشتركة التي تشكلت عبر التاريخ لتمنح المصريين تماسكهم واستمراريتهم، وعلي راسها وحدة واستمرار أرض مصر، والذاكرة التاريخية المتصلة، واللغة العربية كأداة للتواصل ووعاء للثقافة المصرية، ومنظومة القيم الروحية والأخلاقية التي يتقاسمها المصريون، وثراء التراث الثقافي المصري الذي يشمل التراث المادي وغير المادي.
والرموز الوطنية الملهمة للفخر، والمواطنة العادلة والجامعة، وقوة مشاعر الانتماء..داعية الي الوعي بالمخاطر التي تهدد الهوية، حيث تمرُّ المجتمعات بحالة من تسارع التغير وظهور أشكال مستحدثة من الهيمنة الرقمية، وسيولة الحياة، وقابلية الروابط الاجتماعية للتفكك السريع، وتفشّي ثقافة الاستهلاك، وانتشار الفوضى في العالم الرقمي، ومراعاة مدي تاثر الهوية الوطنية بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتقنية، التي يمر بها المجتمع
فلا شك أن التماسك الاجتماعي يعزِّز مناعة الشعب في مواجهة ما يستهدف تماسكه، ومن ثم، سعت هذه الوثيقة إلى تعزيز قدرة الدولة على مواجهة هذه التحديات، بترسيخ الوعي بالمخاطر التي تهدِّد تماسُك المجتمع، والمحافظة على الركائز المشتركة للهوية الوطنية.، مع التأكيد علي اهمية اللغة العربية جنبا الي جنب مع اتقان اللغات الأجنبية دون أن تحل محل لغتنا العربية
وعلي الرغم من اهمية الوثيقة فانها لن تحقق اهدافها ما لم يتم التواصل مع الشباب والاستماع إلى أفكارهم ، باعتبارهم شريكًا رئيسيًا في صياغة الحلول غير التقليدية لقضايانا.. فضلا عن ان اشراكهم في مشروعات التطوير والحفاظ على الهوية، لتعزيز شعورهم بالانتماء ودعم مشاركتهم في صناعة مستقبل بلدهم.
ويبقي اهم عنصر من عناصر النهضة..تحويل الأفكار والرؤى إلى مشروعات ومبادرات قابلة للتطبيق، بما يعزز التكامل بين الهوية الوطنية والابتكار والبحث العلمي، ويضمن الحفاظ على أصالة كل محافظة وثراء موروثها، وإتاحة المجال امام شبابها للمشاركة في صياغة رؤية متجددة لمستقبل مدنهم.







