“ميزة الأمم التنافسية” لمايكل بورتر.. كيف تصنع الدول قدرتها على المنافسة؟

لماذا تنجح بعض الدول في بناء شركات وصناعات قادرة على المنافسة عالميا، بينما تتراجع دول أخرى رغم امتلاكها موارد طبيعية وأسواقا واسعة؟ يحاول مايكل إي. بورتر الإجابة عن هذا السؤال في كتابه ميزة الأمم التنافسية، الذي يعد من أبرز الكتب في مجال الاستراتيجية والتنافسية الاقتصادية.

يبتعد بورتر عن التفسير التقليدي الذي يربط نجاح الدولة بتوافر العمالة الرخيصة أو الموارد الطبيعية فقط، ويرى أن الميزة التنافسية تبنى من خلال بيئة اقتصادية ومؤسسية تشجع الشركات على الابتكار ورفع الإنتاجية، ومن هنا ينقل النقاش من سؤال «ماذا تملك الدولة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف تستخدم ما تملك لبناء قيمة مستدامة؟».

لماذا كتب هذا الكتاب؟

كتب الكتاب لتفسير الفروق الكبيرة في القدرة التنافسية بين الدول، ومحاولة فهم الأسباب التي تجعل بعض الصناعات والشركات أكثر نجاحًا في الأسواق الدولية من غيرها.

اعتمد بورتر على دراسة واسعة لصناعات وشركات في عدد من الدول، وخلص إلى أن النجاح الاقتصادي لا ينتج عن عامل منفرد، وإنما عن تفاعل مجموعة من الظروف المحلية التي تدفع الشركات إلى التطور والابتكار، ويركز الكتاب على مفهوم الإنتاجية باعتبارها أساسًا طويل الأجل لمستوى المعيشة والقدرة التنافسية، بدل النظر إلى التجارة الدولية باعتبارها مجرد سباق في خفض التكاليف.

ويقدم بورتر ما أصبح يعرف باسم «ماسة بورتر»، وهي إطار يضم أربعة عناصر رئيسية، وهي ظروف عوامل الإنتاج، وظروف الطلب المحلي، والصناعات المرتبطة والداعمة، واستراتيجية الشركات وهيكلها وطبيعة المنافسة المحلية.

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

مفهوم الميزة التنافسية للدول وعلاقته بالإنتاجية والابتكار.

دور البيئة المحلية في دفع الشركات إلى تطوير منتجاتها وعملياتها.

أهمية المنافسة الداخلية في إعداد الشركات للمنافسة في الأسواق الدولية.

تأثير طبيعة الطلب المحلي في جودة المنتجات والخدمات وتطورها.

أهمية وجود صناعات وموردين وشبكات أعمال داعمة ومترابطة.

دور الحكومة في توفير البيئة المناسبة للتنافسية دون أن تحل محل الشركات في عملية الابتكار.

تأثير الصدفة والأحداث غير المتوقعة في تغيير المسارات التنافسية لبعض الصناعات.

العلاقة بين الاستراتيجية التي تتبعها الشركات والبيئة الاقتصادية التي تعمل فيها.

ومن الأفكار الأساسية في الكتاب أن الدولة لا تصبح تنافسية لمجرد امتلاكها موارد رخيصة، بل عندما تستطيع تحويل مواردها وظروفها المحلية إلى إنتاجية وابتكار وقيمة اقتصادية، لذلك يولي بورتر اهتماما كبيرا بالتجمعات الصناعية أو ما يعرف بالعناقيد الاقتصادية، حيث تتجاور الشركات والموردون والمؤسسات البحثية والجامعات والجهات المتخصصة، بما يسمح بتبادل المعرفة ورفع الكفاءة.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب رجال الأعمال والمديرين ورواد الأعمال وطلاب الاقتصاد وإدارة الأعمال والاستراتيجية، كما يفيد المسؤولين والباحثين المهتمين بسياسات التنمية والتجارة والصناعة، وهو مناسب بصورة خاصة للقارئ الذي يريد فهم المنافسة من منظور يتجاوز أداء الشركة المنفردة إلى البيئة الاقتصادية التي تعمل داخلها، وقد يحتاج الكتاب إلى قراءة متأنية، لأنه يناقش مفاهيم استراتيجية واقتصادية متعددة، ويعتمد على أمثلة ودراسات مقارنة للصناعات والدول.

مميزات الكتاب

تتمثل إحدى أبرز ميزات الكتاب في تقديمه إطارا تحليليا واضحا لفهم التنافسية الوطنية، فبدل اختزال نجاح الدول في انخفاض الأجور أو وفرة الموارد، يربط بورتر بين المنافسة المحلية والابتكار والإنتاجية وتطور الصناعات.

كما يتميز الكتاب بمحاولته الجمع بين مستوى الدولة ومستوى الصناعة ومستوى الشركة، فالشركة لا تعمل في فراغ، وإنما تتأثر بالموردين والعملاء والمنافسين والجامعات والمؤسسات والقوانين والظروف المحلية.

ومن نقاط قوته أيضا مفهوم «الماسة» الذي يوفر أداة يمكن استخدامها لتحليل صناعة أو اقتصاد معين، مع ضرورة الانتباه إلى أن النموذج لا يقدم وصفة آلية واحدة للنجاح، وأن الظروف تختلف من دولة إلى أخرى ومن صناعة إلى أخرى.

قراءة صحفية

يمكن النظر إلى ميزة الأمم التنافسية باعتباره كتابا يحاول تغيير الطريقة التي نفكر بها في النجاح الاقتصادي للدول، فالثروة وفق المنظور الذي يقدمه بورتر، لا تقاس فقط بما تمتلكه الدولة من موارد، وإنما بقدرتها على استخدام هذه الموارد لرفع الإنتاجية وتطوير صناعات قادرة على تقديم منتجات وخدمات ذات قيمة.

ويضع الكتاب المنافسة المحلية في موقع مهم، فالشركات التي تواجه منافسة حقيقية داخل أسواقها قد تكون أكثر تعرضا لضغوط الابتكار وتحسين الجودة وخفض الهدر، كما أن وجود عملاء محليين متطلبين يمكن أن يدفع الشركات إلى تطوير منتجات أكثر تقدما، بينما تساعد الصناعات الداعمة والموردون المتخصصون على بناء منظومة اقتصادية أكثر تكاملا.

وفي المقابل، لا يقدم بورتر الدولة باعتبارها مجرد مراقب للسوق، فالحكومة تستطيع التأثير في البيئة التي تعمل فيها الشركات من خلال التعليم والبنية الأساسية والقواعد التنظيمية وسياسات المنافسة والبحث والتطوير، لكن الكتاب يشدد على أهمية أن يكون دورها داعمًا للقدرة التنافسية، لا بديلا عن المنافسة والابتكار داخل الشركات.

وتبرز أهمية الكتاب اليوم في قدرته على طرح سؤال يتجاوز حجم الاقتصاد إلى نوعية النمو، وهل يؤدي النشاط الاقتصادي إلى زيادة الإنتاجية والابتكار، أم يعتمد فقط على تكاليف منخفضة أو ظروف مؤقتة؟ ومن هذه الزاوية، تصبح التنافسية مشروعا طويل الأجل يتطلب استثمارات في المعرفة والمهارات والمؤسسات والعلاقات بين الشركات والقطاعات.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: ميزة الأمم التنافسية: خلق الصناعات التنافسية والحفاظ عليها
العنوان الأصلي: The Competitive Advantage of Nations
المؤلف: مايكل إي. بورتر
دار النشر: Free Press
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة: الطبعة الأولى
سنة النشر: 1990
عدد الصفحات: 896 صفحة في الطبعة الأولى
رقم الإيداع/ISBN: ISBN 978-0029253618 للطبعة الأولى

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *