عندما نتحدث عن الاستثمار في مصر، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى حجم رؤوس الأموال، وقيمة المشروعات، وحجم التدفقات الاستثمارية، وعدد الشركات التي تدخل السوق. وهي مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن السؤال الأهم: ماذا يعني الاستثمار بالنسبة للمواطن المصري؟
من هنا تأتي أهمية مؤتمر «مصر بكرة»، المقرر عقده السبت 3 أكتوبر، في دار المشاة – قاعة الماسية، بمشاركة نخبة من كبار المسؤولين والمستثمرين، لفتح مساحة للنقاش حول مستقبل الاستثمار في مصر وما يمكن أن يقدمه للاقتصاد والمجتمع.
في رأيي، القيمة الحقيقية لأي استثمار لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل السوق، وإنما بقدرته على خلق قيمة مستدامة، فالمشروع الاستثماري الناجح لا ينبغي أن يكون مجرد مبنى جديد أو مصنع أو شركة تضيف رقمًا إلى الناتج المحلي، بل منظومة متكاملة تخلق فرص عمل، وتطور المهارات، وتدعم الموردين المحليين، وتحرك قطاعات أخرى مرتبطة بها.
وهنا يظهر أحد أهم الملفات التي تستحق النقاش وهم الشباب، حيث تمتلك مصر قاعدة بشرية كبيرة، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنسان جزءًا أساسيًا من أي رؤية اقتصادية للمستقبل، فخلق فرصة عمل أمر هام، لكن الأهم هو توفير فرصة عمل حقيقية تتيح للشاب اكتساب الخبرة وتطوير مهاراته وبناء مسار مهني مستقر.
ولذلك فإن ربط الاستثمارات الجديدة ببرامج التدريب والتأهيل يمكن أن يجعل أثرها أكثر استدامة واتساعًا.
كذلك، لا ينبغي أن يتركز الحديث عن الاستثمار في القاهرة والمدن الكبرى فقط، فتنشيط الاستثمار في مختلف المحافظات يمكن أن يساهم في تحقيق تنمية أكثر توازنًا، وخلق فرص اقتصادية بالقرب من المجتمعات المحلية، ودعم سلاسل الإنتاج والخدمات في مناطق جديدة.
والأهم أن الاستثمار لا يعمل بمعزل عن بقية عناصر الاقتصاد، فالمشروع الواحد قد يخلق فرصًا مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام شركات صغيرة وموردين ومقدمي خدمات للنمو، بما يخلق دائرة اقتصادية تتجاوز حدود المشروع نفسه.
لذلك، فإن النقاش حول «مصر بكرة» يجب ألا يتوقف عند سؤال: كم سنستثمر؟ بل يمتد إلى أسئلة أكثر ارتباطًا بالمستقبل: ماذا سننتج؟ ومن سيستفيد؟ وكيف سنطور مهارات أبنائنا؟ وكيف يمكن أن تتحول الاستثمارات إلى فرص حقيقية ومستدامة؟
في النهاية، الاستثمار ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو، وخلق فرص أفضل، وتحسين جودة الحياة.
وهنا تكمن أهمية أي حوار جاد حول مستقبل الاستثمار في مصر: أن ننتقل من الحديث عن حجم الاستثمارات إلى الحديث عن أثرها، ومن عدد المشروعات إلى نتائجها من حيث الفرص والقيمة والتنمية التي تتحقق.
فـ«مصر بكرة» ليست فقط عنوانا لمؤتمر، بل سؤال مفتوح حول شكل الاقتصاد الذي نريد أن نراه في المستقبل، وكيف يمكن أن يكون الإنسان المصري جزءا أساسيا من هذه المعادلة.







