تاريخ الاقتصاد الأمريكي ازدهارا وركودا.. كيف صنعت الابتكارات أمريكا ثم تباطأ قطار النمو؟

ماذا يحدث عندما تتحول الابتكارات من مجرد اختراعات جديدة إلى قوة تعيد تشكيل حياة المجتمع والاقتصاد بالكامل؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يتحرك حوله كتاب «تاريخ الاقتصاد الأمريكي ازدهارا وركودا» للمؤرخ والاقتصادي الأمريكي روبرت ج. جوردون.

الكتاب، وهو الترجمة العربية لــ The Rise and Fall of American Growth، لا يقدم مجرد سرد زمني لتاريخ الاقتصاد الأمريكي، بل يحاول تفسير الكيفية التي انتقلت بها الولايات المتحدة من مجتمع محدود الإمكانات في القرن التاسع عشر إلى واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية، وما إذا كان ذلك المعدل الاستثنائي من التحسن الاقتصادي والاجتماعي قابلا للتكرار في المستقبل. وقد صدر العمل الأصلي عن Princeton University Press عام 2016، ويقع في نحو 784 صفحة في إحدى طبعاته.

لماذا كتب هذا الكتاب؟

ينطلق جوردون من ملاحظة أساسية: لم يكن النمو الاقتصادي الأمريكي مجرد زيادة في الإنتاج والدخل، وإنما ارتبط خلال فترة تاريخية محددة بمجموعة من الابتكارات غيرت الحياة اليومية بصورة جذرية.

فبين عامي 1870 و1970 تقريبا، ظهرت أو انتشرت الكهرباء، والإضاءة الحديثة، وشبكات المياه والصرف الصحي داخل المنازل، والسيارات، والأجهزة المنزلية، والطيران، وتكييف الهواء، والاتصالات ووسائل الترفيه الحديثة. ولم تكن هذه الاختراعات مجرد منتجات جديدة، بل ساهمت في تغيير طريقة العمل والسكن والتنقل والصحة والتعليم والاستهلاك.

ومن هنا يحاول الكتاب الإجابة عن سؤال أكثر تعقيدا: هل تستطيع التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الثورة الرقمية، أن تحقق تأثيرا اقتصاديا واجتماعيا بحجم التحولات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الفترة السابقة؟

يلخص هذا الكتاب عدة أمور

أولا، الابتكار باعتباره محركا للنمو، إذ يوضح الكتاب أن بعض الاختراعات كانت ذات تأثير واسع امتد إلى قطاعات عديدة في الاقتصاد، وليس قطاعا واحدا فقط.

ثانيا، تحول مستوى المعيشة. فالكتاب يهتم بما حدث داخل المنزل والمصنع والشارع، وليس فقط بمؤشرات الناتج المحلي. الكهرباء والمياه الجارية والسيارات والأجهزة المنزلية ساهمت في إعادة تعريف الحياة اليومية، بينما أدت التطورات الطبية والصحية إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع بصورة كبيرة خلال القرن التالي للحرب الأهلية الأمريكية.

ثالثا، العلاقة بين الإنتاجية ومستوى المعيشة. فالنمو المستدام يحتاج إلى زيادة قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات بكفاءة، وهو ما يرتبط بالتكنولوجيا والتعليم ورأس المال وتنظيم العمل.

رابعا، تراجع معدلات النمو مقارنة بالفترة الذهبية السابقة. ويرى جوردون أن الابتكارات التي غيرت حياة الأمريكيين بين 1870 و1970 كانت استثنائية من حيث حجم تأثيرها، ولذلك يصعب تكرار تأثيرها بالدرجة نفسها.

خامسا، يناقش الكتاب مجموعة من العوائق أمام النمو المستقبلي، ومنها ارتفاع عدم المساواة، وتحديات التعليم، وشيخوخة السكان، وتراكم الديون، بما في ذلك ديون الطلاب والحكومة الفيدرالية.

لمن يناسب هذا الكتاب؟

يناسب الكتاب المهتمين بتاريخ الاقتصاد الأمريكي، والاقتصاد الكلي، والتطور الصناعي، والتكنولوجيا، ومستويات المعيشة، كما يمثل مادة مهمة للصحفيين والباحثين وطلاب الاقتصاد والتاريخ والعلوم السياسية.

وهو مناسب أيضا للقارئ الذي يريد فهم الاقتصاد من خلال تأثيره في حياة الناس، وليس من خلال الأرقام والمؤشرات وحدها.

مميزات الكتاب

من أبرز مميزات العمل الجمع بين التاريخ والتحليل الاقتصادي فجوردون لا يتعامل مع النمو باعتباره رقما مجردا، بل يربطه بالتغيرات التي شهدتها حياة الأسر والعمال والشركات.

كما يتميز باتساع الفترة الزمنية التي يغطيها، واعتماده على أمثلة تاريخية وتحليل للإنتاجية ومستويات المعيشة والابتكار. وتوضح فهرسة الكتاب أن المؤلف ينتقل من الحياة والعمل في الولايات المتحدة عام 1870 إلى الغذاء والملابس والسكن والمواصلات والاتصالات، ثم يتابع التحولات الاقتصادية والاجتماعية عبر العقود اللاحقة.

قراءة صحفية

يمكن قراءة الكتاب باعتباره محاولة للإجابة عن سؤال اقتصادي شديد الأهمية: هل يمكن أن يستمر النمو بالسرعة نفسها إلى ما لا نهاية؟

الإجابة التي يقدمها جوردون لا تقوم على إنكار أهمية التكنولوجيا، وإنما على المقارنة بين نوعين من الابتكار. فهناك ابتكارات أحدثت تحولا شاملا في البنية الاقتصادية والاجتماعية، مثل الكهرباء والسيارة والمياه الجارية والصرف الصحي والاتصالات والطيران. وفي المقابل، توجد ابتكارات حديثة مهمة، لكنها قد لا تغير جميع جوانب الحياة بالدرجة نفسها.

وتكمن أهمية الكتاب صحفيا في أنه يربط الاقتصاد بحياة المواطن. فعندما تصل الكهرباء إلى المنزل، أو تتحسن شبكات المياه والصرف الصحي، أو يصبح الانتقال بالسيارة متاحا على نطاق واسع، فإن التأثير لا يظهر فقط في الناتج المحلي، بل في الوقت والصحة والعمل والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية أيضا.

ومن هذه الزاوية، يقدم جوردون تاريخا للنمو باعتباره تاريخا لتغير المجتمع نفسه. وفي الوقت ذاته يطرح تحديات مستقبلية لا يمكن تجاهلها، مثل الشيخوخة السكانية، وتفاوت الدخول، والتعليم، والديون، وهي عوامل يرى أنها قد تحد من قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحقيق معدلات النمو التي عرفها في مراحل سابقة.

واللافت أن الكتاب لا يكتفي بالاحتفاء بالمرحلة التي شهدت طفرة اقتصادية وتكنولوجية، وإنما يحاول وضعها في سياق تاريخي، بما يسمح للقارئ بفهم لماذا كانت تلك الفترة استثنائية، ولماذا قد يكون المستقبل الاقتصادي مختلفا عنها.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: تاريخ الاقتصاد الأمريكي ازدهارا وركودا

العنوان الأصلي: The Rise and Fall of American Growth

المؤلف: روبرت ج. جوردون

الترجمة العربية: فريق منتدى البركة، بحسب بيانات الإصدار المشار إليها من جهة النشر والتوزيع.

دار النشر/الإصدار العربي: مدارات للأبحاث والنشر، ضمن إصدارات منتدى البركة.

الناشر الأصلي: Princeton University Press

بلد النشر الأصلي: الولايات المتحدة الأمريكية

سنة النشر الأصلي: 2016

عدد الصفحات: نحو 784 صفحة في الطبعة الأصلية المشار إليها.

رقم الإيداع: غير ظاهر في صورة الغلاف المتاحة، ولم أجد رقما موثقا للإيداع الخاص بالطبعة العربية؛ لذلك لا يصح وضع رقم تقديري.

ISBN للطبعة الأصلية: 9780691147727.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *