تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
“أن تكون أنت.. حين يصبح التصالح مع الذات بداية التغيير”
العنوان الأصلي: “Искусство быть собой”
للمؤلف الروسي فلاديمير ليفي، يقدم الكتاب رحلة داخل النفس لا تقوم على البحث عن شخصية مثالية بقدر ما تقوم على اكتشاف الشخصية الحقيقية، وكيف يستطيع الإنسان أن يفهم مشاعره، وينظم انفعالاته، ويستعيد قدرته على التعامل مع نفسه والعالم من حوله، وقد عُرف الكتاب بوصفه عملاً في علم النفس التطبيقي والضبط الذاتي، ويجمع بين التأمل النفسي والتمارين والملاحظات العملية
تبدو الرسالة الأساسية للكاتب وكأنها دعوة إلى مصالحة الإنسان مع ذاته قبل أن يطالب العالم بفهمه، فأن تكون نفسك لا يعني أن تستسلم لنقاط ضعفك، ولا أن تجعل عيوبك قدراً لا يتغير، وإنما أن تعرف نفسك أولاً حتى تعرف ما الذي يستحق التغيير وما الذي يستحق القبول، فالإنسان حين يفهم دوافعه يصبح أهدأ في قراراته، وأصدق في علاقاته، وأقرب إلى الاتزان الذي لا تصنعه الأقنعة بل تصنعه المعرفة
الأفكار القائمة عليها الكتاب
يقوم الكتاب على فكرة أن الإنسان يمتلك مساحة من القدرة على التأثير في حالته النفسية وطريقة استجابته للمواقف، ولذلك يتناول مفاهيم مثل الاستبطان، والإيحاء الذاتي، وتنظيم الانفعالات، والانتباه، وقوة الإرادة، والتعامل مع التوتر، فالتغيير عند ليفي لا يبدأ دائماً من الخارج، بل قد يبدأ من الداخل، من طريقة التفكير في المشكلة، ومن القدرة على تهدئة النفس قبل أن تتخذ قراراً أو تدخل صراعاً
بعد القراءة التحليلية للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:
معرفة الذات ليست رفاهية فكرية بل وسيلة للحياة، والانتباه إلى الحالة النفسية يسبق محاولة السيطرة عليها، والهدوء لا يعني الضعف وإنما قد يكون شكلاً من أشكال القوة، كما يطرح الكتاب فكرة أن الإرادة ليست مجرد قرار لحظي، وإنما قدرة تتأثر بالعادات والانفعالات والبيئة المحيطة، وأن الإنسان يستطيع أن يتعلم كيف يتعامل مع نفسه بوعي أكبر بدلاً من أن يبقى أسيراً لردود الفعل
الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:
يخاطب الكتاب القارئ الذي يريد أن يفهم نفسه بصورة أعمق، ومن يشعر بأن التغيير يبدأ من الداخل، ومن يبحث عن أدوات تساعده على التعامل مع القلق والانفعال والتردد وضعف التركيز، كما يمكن أن يجد فيه المهتمون بعلم النفس وتطوير الذات مادة للتأمل في العلاقة بين الوعي بالنفس والقدرة على إدارة الحياة
أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فيمكن رصدها في:
تتمثل قوته في لغته القريبة من التجربة الإنسانية، وفي مزجه بين التأمل النفسي والتطبيق العملي، وفي نظرته إلى الإنسان باعتباره كائناً يمكنه التعلم من ذاته لا مجرد شخص يبحث عن وصفة جاهزة، أما ما قد يحتاج إلى قراءة نقدية فيرتبط بطبيعة بعض الطروحات النفسية التي تنتمي إلى سياق معرفي وزمني مختلف عن علم النفس المعاصر، وهو ما يجعل التعامل معها باعتبارها أدوات للتأمل أكثر ملاءمة من اعتبار كل فكرة فيها حقيقة علمية نهائية
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
أبرزها مفهوم السيطرة على الذات، فهل يستطيع الإنسان دائماً التحكم في حالته النفسية بمجرد التدريب والإرادة، أم أن بعض الحالات أكثر تعقيداً من أن تختصر في الإرادة الفردية، كذلك يفتح الكتاب باباً مهماً حول الحدود بين تقبل الذات وتغييرها، وبين الثقة بالنفس والإنكار، وبين الاستقلال النفسي والعزلة، وهي أسئلة تجعل تطوير الذات رحلة وعي لا سباقاً نحو نسخة مثالية من الإنسان
البطاقة التعريفية للكتاب:
العنوان: “Искусство быть собой” وتُعرف بالعربية باسم “فن أن تكون نفسك”
المؤلف: فلاديمير لفوفيتش ليفي
دار النشر: “Знание” المعرفة
بلد النشر: روسيا، موسكو
الطبعة: طبعة محدثة
سنة النشر: 1990
عدد الصفحات: 253 صفحة
رقم الإيداع: 90-66865
ISBN: 5-07-000674-6







