قراءة في كتاب بناية ماتيلد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

ويحمل الروائي اللبناني الكبير حسن داوود في روايته البارزة “بناية ماتيلد” رسالة إنسانية وتاريخية بالغة العمق، مفادها أن الأمكنة ليست مجرد حجارة صامتة أو جدران خرسانية صماء تضم بين طياتها أناسًا عابرين، بل هي كائنات حية تنبض بالذاكرة، وتختزن تفاصيل الفرح والحزن، وتؤرخ لتحولات الشعوب والأوطان دون أن ترفع صوتاً أو تطلق رصاصة.

يوجه الكاتب رسالته إلى القارئ المعاصر ليخبره أن التغيرات الكبرى التي تهز المجتمعات وتدمر الأوطان لا تُقاس فقط بقرارات السياسات الكبرى، أو الاتفاقيات الدبلوماسية، أو أصوات المدافع، بل تُقاس وتُلمس بوضوح قاطع في التفاصيل اليومية الصغيرة لخطوات السكان، وفي ذبول الألفة بين الجيران، وفي تلك اللحظات الصامتة التي تفرغ فيها البيوت تدريجياً وتتحول العمارات العامرة إلى أطلال مقفرة بعد أن تفرقهم سبل الحرب والشتات والتحولات الطارئة، و إنها دعوة صادقة وملحة للتأمل في هشاشة الاستقرار الإنساني وقداسة المكان على حفظ حكايات الذين مروا عليه ثم رحلوا ولم يعودوا، ليتركوا خلفهم أطيافاً من الذكريات التي تأبى الانمحاء.

تتأسس رواية بناية ماتيلد على حزمة من الأفكار والمحاور الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تتشابك ببراعة شديدة لتشكل لوحة متكاملة، ومن أبرز هذه الأفكار العمارة هنا ليست ديكوراً عابراً لسرد الأحداث، بل هي بطل رئيسي يجمع تحت سقفه فسيفساء من البشر بتنوعهم الثقافي والاجتماعي والديني، لتشكل “بناية ماتيلد” نموذجاً مصغراً للوطن المتعدد والمركب قبل أن تصيبه هزات الانقسام، ويفكك الكاتب ببراعة أثر الحرب الأهلية اللبنانية والاضطرابات الأمنية على العلاقات اليومية، وكيف تتحول البيوت الدافئة تدريجياً إلى مساحات مهجورة بسبب التهجير والرحيل القسري أو الطوعي بحثاً عن النجاة والهروب من جحيم الصراع، وترصد الرواية بأسلوب تأملي هادئ كيف ينفرط عقد الجماعات البشرية الصغيرة، وكيف يحل الصمت والوحشة محل صخب الحياة والأعراس والمآتم وولادات الأطفال التي كانت تميز أروقة البناية وحركتها الدؤوبة.

بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استند عليها الكاتب وهي أن انطلق الكاتب من الجزئيات البسيطة في حياة السكان اليومية (مثل حركة “مدام جاديجيان” وتفاصيل الانتقال اليومي وعلاقات الجيرة) لبناء مشهد كلي متكامل يعكس مأساة أوسع وأعمق من مجرد حكاية عمارة بيروتية، وجعل الكاتب من تقاسيم العمارة وشققها وممرات ومداخلها مسرحاً تتكشف من خلاله الصراعات النفسية والاجتماعية للشخصيات، بحيث تعكس حالة المبنى حالة الروح البشرية الساكنة فيه صعوداً وهبوطاً

لم يغرق الكاتب في الشعارات السياسية المباشرة لتفسير الحرب أو الأزمات، بل آثر الغوص في العمق الإنساني والنفسي للأفراد، مما منح النص طابعاً أدبياً خالداً يتجاوز اللحظة التاريخية المحلية إلى فضاء الإنسانية الأرحم والأشمل.

ويستهدف حسن داوود من خلال هذا العمل الفني الرفيع عشاق الأدب الراقي والروائيين المهتمين بتقنيات السرد النفسي والمكاني والابتعاد عن السرد التقليدي المباشر، والمهتمين بدراسة التحولات الاجتماعية والنفسية للمجتمعات العربية التي تعرضت لهزات كبرى وحروب أهلية، لا سيما دارسو الذاكرة اللبنانية وأدب الحرب، والقارئ الباحث عن النصوص التي تفتح أبواب التأمل الفلسفي والإنساني في مصير الإنسان، وعلاقته الأبدية بالأماكن والذكريات والمدن التي تحولت بفعل القهر إلى مجرد محطات للغياب.

أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي نقاط القوة في براعة فائقة في رسم الشخصيات وتصوير تحولاتها الداخلية بصدق فني مذهل ودون أي افتعال أو تجميل زائف، ولغة سردية رفيعة وشعرية عالية تجعل القارئ يشعر وكأنه يتجول شخصياً في أروقة البناية ويشم رطوبة جدرانها الممتلئة بالحكايات والذكريات الدفينة، والقدرة الاستثنائية على تحويل حكاية عمارة محلية إلى ملحمة إنسانية تنطق بلسان كل من فقد وطنه أو مكانه الأثير بفعل العنف والشتات.

أما نقاط الضعف في إيقاع السرد البطيء نسبياً وربما الهادئ بشكل مبالغ فيه أحياناً، وهو ما قد يتطلب صبراً ومتابعة دقيقة من القارئ المعتاد على الأحداث المتسارعة والحبكات البوليسية المشوقة، والغموض المتعمد أحياناً في رسم النهايات والمسارات الخاصة ببعض الشخصيات، مما يجعل القارئ في حالة من التساؤل المفتوح الذي قد لا يروي غليل الباحثين عن إجابات قاطعة وحاسمة.

وتطرح الرواية مفاهيم معقدة تستحق الوقوف عندها والنقاش المطول، لعل أبرزها “فلسفة التعايش والهشاشة المجتمعية”؛ إذ تقدم البناية نموذجاً للتعايش السلمي الهش الذي يمكن أن تطيح به أول هزة سياسية أو أمنية طارئة، مما يفتح الباب واسعاً للتساؤل حول مدى عمق الروابط الإنسانية في الشرق الأوسط وهل هي روابط حقيقية متجذرة أم مجرد جيرة مؤقتة يحكمها الاستقرار المؤقت؟ كما تطرح الرواية مفهوماً عميقاً حول “الذاكرة المكانية” وهل يمكن للأماكن حقاً أن تحمل وزر ذكرياتنا وتستمر في البقاء حية حتى بعد أن يهجرها أصحابها، أم أن المكان يموت تماماً بموت أهله ورحيلهم النهائي عن مسارح حياتهم اليومية؟

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

البطاقة التعريفية للكتاب:

  • العنوان: بناية ماتيلد
  • المؤلف: حسن داوود
  • دار النشر: دار الساقي للطباعة والنشر
  • بلد النشر: لبنان
  • الطبعة: الأولى
  • سنة النشر: الإصدار الأول يعود لعام 1983
  • عدد الصفحات: حوالي 192 صفحة
  • ISBN: 9786144258576

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *