قراءة في كتاب — ربما عليك أن تتحدث إلى أحد— لوري غوتليب

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يبدأ هذا الكتاب من مفارقة إنسانية شديدة الصدق: الشخص الذي اعتاد أن يستمع إلى الآخرين، ويفهم آلامهم، ويساعدهم على رؤية حياتهم بوضوح، قد يجد نفسه في لحظة ما عاجزا عن رؤية حياته هو، وهذا ما تكتشفه لوري غوتليب عندما تنتقل من مقعد المعالجة النفسية إلى مقعد المريضة، فتدرك أن المعرفة وحدها لا تحمينا من الألم، وأن فهم النفس لا يعني أننا نمتلك دائما القدرة على إنقاذها. فالإنسان، مهما بدا قويا ومتزنا، قد يحتاج أحيانا إلى شخص آخر يساعده على النظر إلى المرأة دون أن يخاف مما سيراه.

تأخذنا المؤلفة إلى عالم العلاج النفسي من خلال قصص أشخاص مختلفين، لكل واحد منهم جرحه الخاص، وسؤاله الخاص، والطريقة التي يحاول بها النجاة من حياته، هناك من يواجه مرضا خطيرا ويشعر بأن مستقبله ينهار أمامه، وهناك من يعيش أزمة عاطفية بعد نهاية علاقة، وهناك من يبدو ناجحا من الخارج لكنه يحمل في داخله خوفا عميقا وشعورا بعدم القيمة، وهناك من اعتاد استخدام السخرية أو الغضب أو الإنكار كدرع يحمي به نفسه من الاقتراب الحقيقي من مشاعره، وعلى الرغم من اختلاف القصص، يكشف الكتاب أن الألم الإنساني كثيرا ما يتشابه في جوهره، فنحن جميعا نخاف الفقد، ونبحث عن الحب، ونرغب في أن نشعر بأننا مفهومون ومقبولون.

ومن أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب أن الإنسان لا يرى حياته كما هي دائما، بل يراها من خلال القصة التي يرويها لنفسه عنها، قد يعتقد شخص أنه ضحية لكل ما يحدث له، وقد يرى آخر نفسه دائمًا غير محبوب، وقد يظن ثالث أن عليه أن يكون مثاليا حتى يستحق التقدير، ومع مرور السنوات تتحول هذه الأفكار من مجرد أفكار إلى حقائق داخلية، فنبدأ في التصرف وفقها دون أن ننتبه، وهنا يأتي دور العلاج النفسي في كشف القصة القديمة، لا بهدف لوم صاحبها، وإنما بهدف معرفة ما إذا كانت لا تزال صالحة لحياته الحالية أم أنه يعيش حاضرا بعقل تشكل في الماضي.

وتوضح المؤلفة أن الإنسان كثيرا ما يكرر الأنماط نفسها لأنه يبحث، دون وعي، عن نهاية مختلفة لقصة قديمة، فقد نختار أشخاصا يشبهون من آذونا، ثم نتمنى أن يمنحونا هذه المرة الحب الذي حُرمنا منه، وقد نبالغ في إرضاء الآخرين لأننا تعلمنا منذ الصغر أن القبول مرتبط بإرضائهم، وقد نهرب من العلاقات خوفا من الهجر، ثم نشعر بالوحدة لأننا لم نسمح لأحد بالاقتراب، وهكذا يمكن أن يتحول ما فعلناه يومًا لحماية أنفسنا إلى قيد يمنعنا من الحياة التي نريدها.

ويكشف الكتاب أيضًا أن المقاومة جزء طبيعي من التغيير، فعندما يقترب الإنسان من حقيقة مؤلمة، قد يحاول تغيير الموضوع، أو تقديم الأعذار، أو إلقاء المسؤولية على الآخرين، أو التظاهر بأن الأمر لا يعنيه، ليس لأنه لا يريد أن يتحسن، بل لأن مواجهة الحقيقة قد تكون أكثر ألما من الاستمرار في الوهم، ولهذا فإن العلاج لا يقوم على إعطاء نصائح سريعة، وإنما على خلق مساحة آمنة يستطيع فيها الإنسان أن يرى نفسه كما هي، وأن يعترف بما يشعر به دون خوف من الحكم عليه.

ومن الأفكار المهمة كذلك أن الحزن ليس مرضا يجب التخلص منه بأسرع وقت، فبعض الأشياء لا تحتاج إلى إصلاح بقدر ما تحتاج إلى أن نحزن عليها فقدان شخص، نهاية علاقة، ضياع حلم أو تغير مرحلة من الحياة كلها تجارب تترك فراغا، ومحاولة القفز فوق هذا الفراغ قد تؤخر التعافي بدل أن تسرعه، لذلك يسمح العلاج للإنسان بأن يحزن، وأن يغضب، وأن يخاف، ثم أن يتعلم كيف يحمل هذه المشاعر دون أن يسمح لها بأن تحدد حياته كلها.

وفي العلاقات، يوضح الكتاب أن الحب وحده لا يكفي دائما، فقد يحب شخصان بعضهما، ومع ذلك يعجزان عن بناء علاقة صحية لأنهما يحملان مخاوف قديمة، أو لأنهما لا يعرفان كيف يتحدثان عن احتياجاتهما، أو لأن كل طرف ينتظر من الآخر أن يعالج جرحا لم يصنعه، العلاقات الناضجة لا تقوم فقط على المشاعر الجميلة، وإنما على القدرة على التواصل، ووضع الحدود، وتحمل المسؤولية، والاعتراف بالأخطاء، وفهم أن الطرف الآخر ليس مسؤولا عن ملء كل فراغ داخلنا.

وتتعلم المؤلفة نفسها من مرضاها كما يتعلم المرضى منها، فالمعالج ليس شخصا يملك كل الإجابات، ولا إنسانا محصنا ضد الخوف أو الحزن أو الارتباك. وهذه الفكرة تجعل الكتاب أكثر إنسانية، لأن الحدود بين المعالج والمريض تصبح أقل صلابة، ويظهر الجميع في النهاية كأشخاص يحاولون فهم الحياة بأفضل ما يستطيعون، قد يجلس أحدهم في مقعد المعالج اليوم، لكنه قد يحتاج غدا إلى شخص يجلس أمامه ويقول له: تحدث، أنا أسمعك.

ويطرح الكتاب سؤالا عميقا حول الوقت الذي نضيعه في محاولة أن نصبح الأشخاص الذين نظن أن الآخرين يريدوننا أن نكونهم، كثيرون يعيشون سنوات طويلة وهم يطاردون النجاح أو المال أو المكانة أو العلاقات، ثم يصلون إلى ما أرادوا ويكتشفون أن الشعور الذي توقعوا أن يأتي لم يأتِ، المشكلة ليست دائمًا في الهدف، وإنما في السبب الذي دفعنا إليه لذلك فإن معرفة ما نريده حقا، ولماذا نريده، قد تكون أهم من الوصول إليه.

كما يلفت الكتاب إلى أهمية قبول حقيقة لا يحب الإنسان سماعها: لا يمكننا تغيير الآخرين، نستطيع أن نغير الطريقة التي نتعامل بها معهم، ونضع حدودا، ونقرر متى نبقى ومتى نرحل، لكننا لا نستطيع أن نجبر شخصا على أن يحبنا بالطريقة التي نريدها، أو أن يفهمنا، أو أن يتغير من أجلنا. كثير من المعاناة تأتي من محاولة السيطرة على ما يقع خارج قدرتنا، بينما يبدأ السلام عندما نعرف أين تنتهي مسؤوليتنا وأين تبدأ مسؤولية الآخرين.

وفي قلب الكتاب توجد فكرة شديدة البساطة وعميقة الأثر: أن نكون صادقين مع أنفسنا، ليس الصدق هنا أن نقول كل شيء للجميع، وإنما أن نتوقف عن الكذب على أنفسنا بشأن ما نشعر به وما نحتاج إليه وما يؤلمنا، قد نعترف بأن علاقة ما انتهت، أو بأن حلمًا لم يعد يناسبنا، أو بأننا لسنا بخير رغم أننا نبتسم، أو بأننا نحتاج إلى مساعدة الاعتراف لا يجعل الإنسان ضعيفًا، بل يمنحه نقطة بداية حقيقية لأن ما نرفض الاعتراف به لا نستطيع تغييره.

وفي النهاية، لا يقدم الكتاب وصفة سحرية للحياة، بل يقدم شيئا أكثر واقعية: فهما أعمق للطبيعة البشرية. كل إنسان يحمل قصة لا يعرفها الآخرون، وكل شخص قد يخفي خلف غضبه خوفا، وخلف صمته حزنا، وخلف كماله هشاشة، وخلف استقلاله احتياجا إلى أن يشعر بأنه محبوب، لذلك فإن التعاطف يبدأ عندما نتذكر أن ما نراه من الآخرين ليس القصة كاملة.

والرسالة الأجمل التي يتركها الكتاب هي أننا لا نحتاج دائما إلى أن نعرف الطريق كله حتى نبدأ السير، أحيانا تكفي محادثة صادقة، أو اعتراف صغير، أو لحظة شجاعة نقول فيها أنا لا أعرف ماذا أفعل، وربما تكون هذه الجملة، التي نظنها إعلانًا عن ضعفنا، بداية قوتنا الحقيقية. فليس عيبًا أن نحتاج إلى أحد، وليس ضعفا أن نطلب المساعدة، وليس فشلا أن نتوقف لنراجع الطريق نحن جميعا، في لحظة أو أخرى، نحتاج إلى شخص يسمعنا دون أن يحكم علينا، ويرى ما نعجز عن رؤيته، ويذكرنا بأن الإنسان لا يُشفى من كونه إنسانًا، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يعيش بصدق، ويحب بوعي، ويخسر دون أن ينكسر، ويبدأ من جديد.

الكلمة الأخيرة 

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان: Maybe You Should Talk to Someone — ربما عليك أن تتحدث إلى أحد

المؤلفة: لوري غوتليب (Lori Gottlieb)

دار النشر: Houghton Mifflin Harcourt

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2019

عدد الصفحات: 432 صفحة تقريبًا

ISBN: 978-1328662057

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *