في عالم أصبحت فيه الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتقلبات الأسواق جزءًا من الحياة اليومية، لم يعد التعامل مع المال مسألة مرتبطة بحجم الدخل فقط، وإنما أصبح الوعي المالي وإدارة الموارد من أهم الأدوات التي تحدد قدرة الإنسان على تأمين مستقبله.
ومن هذه النقطة ينطلق الكاتب الأمريكي توني روبنز في كتابه «المال: أتقن اللعبة»، الذي يحاول من خلاله تقديم رؤية عملية لكيفية التعامل مع المال والاستثمار وبناء الثروة، وصولًا إلى ما يسميه «الحرية المالية». فالكتاب لا ينظر إلى المال باعتباره هدفًا نهائيًا، وإنما وسيلة تمنح الإنسان قدرًا أكبر من الأمان والاختيار والاستقلال.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
كتب توني روبنز هذا العمل انطلاقًا من سؤال رئيسي: كيف يستطيع الإنسان العادي أن يحقق الحرية المالية دون أن يكون خبيرًا في الأسواق والاستثمار؟
ويرى الكاتب أن المشكلة التي تواجه كثيرًا من الناس ليست بالضرورة ضعف الدخل، وإنما عدم امتلاك المعرفة المالية الكافية لإدارة الأموال بطريقة صحيحة. فقد يحصل الشخص على راتب جيد، لكنه ينفق معظم دخله دون تخطيط، أو يدخر أمواله دون أن يعرف كيف يحافظ على قيمتها، أو يدخل استثمارات لا يفهم مستوى المخاطر المرتبطة بها.
لذلك يحاول روبنز أن ينقل القارئ من مرحلة العمل من أجل المال إلى مرحلة فهم كيفية إدارة المال وجعله يعمل لصالحه، من خلال خطة تقوم على الادخار والاستثمار وإدارة المخاطر والاستفادة من قوة الزمن والتراكم.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
يركز الكتاب أولًا على ضرورة أن يتعلم الإنسان قواعد اللعبة المالية قبل أن يبدأ في اتخاذ قراراته الاستثمارية. فالمال، وفق رؤية روبنز، له قواعد وأساليب يمكن تعلمها، والجهل بها قد يؤدي إلى خسائر أو قرارات مالية غير مدروسة.
ويؤكد الكاتب أن ارتفاع الدخل وحده لا يصنع الثروة؛ فهناك أشخاص يحصلون على دخول مرتفعة لكنهم يعيشون تحت ضغط النفقات والديون، بينما يستطيع آخرون تحقيق استقرار مالي بدخل أقل نتيجة قدرتهم على الادخار وتنظيم الإنفاق والاستثمار.
ويرى روبنز أن الخطوة الأولى في الطريق إلى الحرية المالية تبدأ من الادخار المنتظم، موضحًا أن المبلغ الذي يستطيع الإنسان الاحتفاظ به من دخله لا يقل أهمية عن المبلغ الذي يحصل عليه. فالادخار يجب أن يتحول إلى عادة مستمرة وليس قرارًا مؤقتًا.
لكن الكتاب لا يتوقف عند الادخار، إذ ينتقل إلى أهمية استثمار الأموال بدلًا من تركها ساكنة. فمع مرور الوقت يمكن للاستثمار وإعادة استثمار العوائد أن يحققا نموًا تراكميًا للأموال، وهو ما يجعل الزمن أحد أهم العناصر التي يمكن أن يستفيد منها المستثمر.
ويولي روبنز اهتمامًا كبيرًا لمسألة إدارة المخاطر، محذرًا من أن البحث عن أعلى عائد ممكن دون حساب احتمالات الخسارة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالمستثمر الناجح، من وجهة نظر الكتاب، لا يسأل فقط عن مقدار الربح المتوقع، وإنما يسأل أيضًا: ماذا يمكن أن أخسر؟
ومن هنا تأتي أهمية تنويع الاستثمارات، بحيث لا يعتمد مستقبل المستثمر المالي على أصل واحد أو سوق واحد أو مصدر واحد للعائد. فتنويع الأموال يساعد على الحد من تأثير خسارة استثمار معين على إجمالي الثروة.
كما يتناول الكتاب مشكلة قد لا ينتبه إليها كثير من المستثمرين، وهي الرسوم والتكاليف الاستثمارية. فقد تبدو بعض الرسوم صغيرة عند النظر إليها منفردة، لكن تراكمها على مدار سنوات يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في العائد النهائي الذي يصل إلى المستثمر.
يضع روبنز مفهوم الحرية المالية باعتباره الهدف الأكبر من كل هذه الخطوات.
فالهدف ليس مجرد امتلاك رقم كبير في الحساب البنكي، وإنما الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان تغطية احتياجاته دون أن يصبح مستقبله بالكامل مرتبطًا بوظيفة أو راتب واحد.
لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب بصورة خاصة الأشخاص الذين يرغبون في تحسين ثقافتهم المالية والانتقال من التعامل العشوائي مع الأموال إلى التخطيط المنظم للمستقبل. كما يناسب المستثمرين المبتدئين الذين يريدون التعرف إلى المبادئ الأساسية للادخار والاستثمار وتنويع الأصول وإدارة المخاطر.
ويستفيد منه كذلك الموظف الذي يريد بناء خطة مالية طويلة الأجل، أو الشخص الذي بدأ في تكوين مدخراته ويريد معرفة كيفية التعامل معها بصورة أكثر فاعلية.
ومع ذلك، فإن بعض الأمثلة والأدوات الاستثمارية التي يعرضها روبنز مرتبطة بالاقتصاد والأسواق الأمريكية، ولذلك لا ينبغي نقلها بصورة حرفية إلى السوق المصرية أو أي سوق أخرى دون دراسة طبيعة السوق المحلية والقوانين والمنتجات الاستثمارية المتاحة.
مميزات الكتاب
يتميز الكتاب باتساع نطاق الموضوعات التي يناقشها، فهو لا يتحدث عن الاستثمار بمعزل عن السلوك الشخصي، وإنما يربط بين طريقة تفكير الإنسان في المال وبين قراراته المتعلقة بالإنفاق والادخار والاستثمار.
ومن أبرز نقاط قوة الكتاب أيضًا اعتماد روبنز على تجارب وآراء عدد من كبار المستثمرين والخبراء الماليين، الأمر الذي يمنح القارئ فرصة للتعرف إلى أكثر من مدرسة ورؤية في التعامل مع الأسواق والثروة.
كما يتميز بأسلوبه المبسط، إذ يحاول الكاتب تقديم المفاهيم المالية المعقدة بصورة يستطيع القارئ غير المتخصص فهمها، مع التركيز على تحويل المعرفة المالية إلى خطوات عملية يمكن البناء عليها.
وفي المقابل، فإن ضخامة الكتاب وتعدد الموضوعات التي يتناولها قد تجعل قراءته تحتاج إلى وقت وتركيز، كما أن بعض الأفكار الاستثمارية تحتاج إلى تحديث عند تطبيقها في الوقت الحالي، خاصة أن الكتاب صدر عام 2014 وتغيرت الأسواق والظروف الاقتصادية منذ ذلك الحين.
قراءة صحفية
يمكن النظر إلى «المال: أتقن اللعبة» باعتباره كتابًا عن تغيير علاقة الإنسان بالمال قبل أن يكون كتابًا عن الاستثمار. فالمشكلة، وفق رؤية توني روبنز، لا تبدأ من الأسواق وإنما تبدأ من الطريقة التي يفكر بها الإنسان في دخله ومدخراته ومستقبله.
ويحاول الكتاب مواجهة اعتقاد شائع بأن تحقيق الثروة يحتاج بالضرورة إلى دخل ضخم أو فرصة استثنائية.
فالكاتب يركز بدلًا من ذلك على مجموعة من العادات المالية التي تبدأ من معرفة حجم الإنفاق، ثم تحديد نسبة للادخار، وبعدها استثمار الأموال بطريقة تتناسب مع أهداف الشخص ومستوى المخاطر الذي يستطيع تحمله.
وتبرز هنا فكرة مهمة وهي أن الوقت قد يكون حليفًا قويًا للمستثمر فبدلًا من انتظار صفقة استثنائية تحقق ثروة سريعة، يمكن للاستثمار المنتظم طويل الأجل والاستفادة من التراكم أن يصبحا وسيلة لبناء الثروة تدريجيًا.
لكن روبنز لا يقدم الاستثمار باعتباره طريقًا خاليًا من المخاطر، بل يلفت الانتباه إلى أن كل عائد يرتبط بدرجة من المخاطرة. ولذلك فإن بناء محفظة مالية متوازنة لا يتعلق فقط بمحاولة تحقيق أكبر ربح ممكن، وإنما بالحفاظ على رأس المال وإدارة احتمالات الخسارة.
ومن الزاوية الصحفية، تبدو الرسالة الأهم في الكتاب مرتبطة بفكرة عدم ترك المستقبل المالي للصدفة.
فالشخص الذي لا يمتلك خطة واضحة قد يجد نفسه بعد سنوات طويلة أمام دخل محدود ومدخرات غير كافية، بينما يمكن للتخطيط المبكر أن يمنحه مساحة أكبر للتحكم في مستقبله.
ويضع الكتاب كذلك مسؤولية كبيرة على عاتق الفرد نفسه؛ فحتى لو كان الاقتصاد متقلبًا والأسواق تمر بفترات صعود وهبوط، يظل بإمكان الإنسان التحكم في بعض العناصر الأساسية مثل معدل الادخار، ونمط الإنفاق، وحجم الديون، وطريقة توزيع استثماراته.
وبالتالي فإن «الحرية المالية» التي يتحدث عنها روبنز لا تعني بالضرورة أن يصبح الشخص مليونيرًا، وإنما أن يصل إلى وضع تصبح فيه أمواله وموارده قادرة على توفير احتياجاته الأساسية، بما يمنحه حرية أكبر في اتخاذ قراراته المهنية والشخصية.
وفي النهاية، يمكن اختصار الرسالة الصحفية للكتاب في أن الطريق إلى الثروة لا يبدأ من البحث عن المال، وإنما من فهمه؛ فكلما زادت معرفة الإنسان بكيفية إدارة دخله ومدخراته واستثماراته، أصبح أكثر قدرة على حماية أمواله وتنميتها، وأقرب إلى تحقيق الاستقلال المالي الذي يطمح إليه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.
وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: المال: أتقن اللعبة – 7 خطوات بسيطة نحو الحرية المالية
العنوان الأصلي: MONEY: Master the Game – 7 Simple Steps to Financial Freedom
المؤلف: توني روبنز
دار النشر: Simon & Schuster
بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية
سنة النشر: 2014
رقم الإيداع : 9781476757803







