تمهيد
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب
تبدأ الفكرة الأساسية في قوة الآن من ملاحظة تبدو بسيطة لكنها تحمل أثرًا عميقًا في طريقة الإنسان داخل الحياة وهي أن قدرًا كبيرًا من المعاناة لا يأتي فقط مما يحدث لنا بل مما نضيفه نحن إلى ما يحدث حين نعيد التفكير فيه باستمرار ونحمله من الماضي إلى الحاضر أو نتركه يجرنا إلى مستقبل لم يحدث بعد العقل يستطيع أن يحول ذكرى قديمة إلى ألم حاضر وأن يصنع من احتمال مستقبلي مصدرًا للخوف ولذلك يصبح الإنسان أحيانًا سجينًا للزمن رغم أن اللحظة الوحيدة التي يستطيع أن يعيشها فعلًا هي هذه اللحظة
الفكرة لا تدعو إلى تجاهل الماضي أو إلغاء المستقبل وإنما إلى تغيير العلاقة معهما فالماضي يمكن أن يكون مصدرًا للتعلم دون أن يتحول إلى هوية ثابتة والمستقبل يمكن التخطيط له دون أن يتحول إلى مساحة دائمة للقلق وبين الاثنين توجد لحظة الحاضر التي يملك الإنسان فيها قدرة حقيقية على الانتباه والاختيار
العقل هنا لا يظهر باعتباره عدوًا يجب التخلص منه بل أداة تحتاج إلى أن تستعيد مكانها الصحيح المشكلة تبدأ حين يتحول التفكير من وسيلة نستخدمها إلى حالة نعيش داخلها طوال الوقت فيصبح الإنسان منشغلًا بالتعليق على كل شيء وتحليل كل تجربة ومراجعة كل كلمة وتوقع كل نتيجة حتى يفقد الاتصال بالتجربة نفسها
تظهر أهمية المراقبة في هذا السياق لأن الإنسان يستطيع أن يلاحظ أفكاره دون أن يعتبر كل فكرة حقيقة مطلقة مجرد القدرة على رؤية الفكرة وهي تظهر تمنح مسافة صغيرة بين الوعي وبين محتوى العقل وهذه المسافة قد تكون بداية تحول كبير فالخوف يصبح شيئًا يمكن ملاحظته بدل أن يصبح هو الشخص نفسه والغضب يصبح حالة عابرة بدل أن يتحول إلى قرار والقلق يصبح إشارة يمكن فهمها بدل أن يتحول إلى طريقة دائمة للعيش
يرتبط ذلك بما يسميه الكتاب الألم المتراكم الذي يتغذى على المشاعر السلبية والذكريات والصراعات القديمة حين يظل الإنسان يعيد إنتاجها في داخله وقد تظهر هذه الطاقة في صورة غضب أو خوف أو حزن أو شعور بالظلم والخطر لا يكمن فقط في وجود المشاعر الصعبة بل في التعلق بها وإعادة تشغيلها ذهنيًا حتى تصبح جزءًا من تعريف الإنسان لنفسه
الحضور لا يعني أن الحياة ستصبح خالية من المشكلات فالمرض والخسارة والخلاف والفشل أحداث حقيقية وقد تكون مؤلمة لكن هناك فرقًا بين الألم الذي تفرضه التجربة وبين المعاناة الإضافية التي يصنعها العقل عندما يرفض الواقع أو يظل يعيد بناء ما حدث أو يتخيل عشرات النتائج لما لم يحدث بعد قبول اللحظة لا يعني الاستسلام لكل شيء وإنما يعني رؤية الواقع كما هو أولًا حتى يصبح التعامل معه أكثر وضوحًا
العلاقات الإنسانية تحصل على مساحة مهمة لأن كثيرًا من الصراعات لا تنشأ من الحدث نفسه بقدر ما تنشأ من التوقعات والصور الذهنية التي يحملها كل طرف عن الآخر حين يدخل الإنسان العلاقة بحثًا عن إكمال نقص داخلي قد تتحول المحبة إلى تعلق والخوف إلى غيرة والحاجة إلى الأمان إلى محاولة للسيطرة أما الحضور فيمنح العلاقة مساحة أكبر للقبول والانتباه بدل التملك
يتعامل الكتاب كذلك مع فكرة الهوية التي يبنيها الإنسان حول نفسه من خلال قصته الشخصية ومكانته ونجاحاته وإخفاقاته ومشكلاته هذه القصة قد تكون مفيدة لفهم الماضي لكنها تصبح عبئًا حين يظن الإنسان أنها تمثل حقيقته الكاملة لأن الشخص ليس مجرد مجموع ما حدث له ولا يمكن اختزال وعيه في لقب أو وظيفة أو تجربة مؤلمة
قوة الآن في جوهرها محاولة لنقل مركز الحياة من التفكير المستمر إلى الوعي بالحظة ومن التماهي مع الأفكار إلى مراقبتها ومن مقاومة الواقع إلى التعامل معه بوضوح ولا يقدم ذلك كطريق سحري تختفي معه المشكلات بل كطريقة مختلفة في استقبالها فالهدوء ليس غياب الأحداث الصعبة وإنما القدرة على ألا يسمح الإنسان لكل حدث بأن يسيطر على وعيه بالكامل
تتحول اللحظة الحالية بهذا المعنى من شيء عابر إلى مساحة للحياة نفسها فكل قرار وكل علاقة وكل تجربة لا يمكن أن تحدث إلا الآن وحتى حين يفكر الإنسان في الماضي أو المستقبل فإنه يفعل ذلك داخل الحاضر ولذلك تصبح العودة إلى اللحظة تدريبًا على استعادة الانتباه من عقل يعيش كثيرًا فيما كان أو فيما قد يكون
فى النهاية الفكرة الأعمق أن الإنسان قد يقضي سنوات في انتظار أن تصبح الظروف مناسبة كي يبدأ حياته ثم يكتشف أن الانتظار نفسه أصبح حياته الحضور لا يعد بحياة مثالية لكنه يفتح إمكانية أن يعيش الإنسان ما يحدث بالفعل بدل أن يعيش طوال الوقت في نسخة ذهنية من حياته وهنا تصبح قوة الآن ليست قوة اللحظة وحدها بل قوة الوعي بها
حقوق النشر: هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا
البطاقة التعريفية
- العنوان: قوة الآن: الدليل إلى التنوير الروحي
- العنوان الأصلي: The Power of Now: A Guide to Spiritual Enlightenment
- المؤلف: إيكهارت تول
- الناشر: New World Library
- مكان النشر: نوفاتو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية
- الطبعة: طبعة ورقية منقحة، إعادة طبع
- سنة النشر: 2004
- عدد الصفحات: 236 صفحة
- اللغة: الإنجليزية
- ISBN-10: 1577314808
- ISBN-13: 9781577314806







