مصر كما نتمناها.. عودة إلى الزمن الجميل

مع كل ما تشهده مصر من تقدم وازدهار وتطور في مختلف مجالات الحياة، يأخذنا الحنين دوماً إلى أيام الزمن الجميل، إلى الجيرة الطيبة، وناس مصر الطيبين، وإلى تلك التعاملات والعلاقات الإنسانية التي طالما ميزت الإنسان المصري عن غيره، بما عرف عنه من كرم وضيافة وشهامة وجدعنة، ونصرة للمظلوم، والوقوف إلى جوار من يحتاج إلى المساعدة دون انتظار مقابل.

نشتاق إلى زمن كان فيه الشباب يشعرون بالمسؤولية تجاه بنات منطقتهم وشارعهم، وتعتبر كل فتاة أختاً أو ابنة أو قريبة لهم، فتشعر بالأمان عندما تراهم في الطريق، ليس لأن هناك من يراقبها أو يتدخل في حياتها، ولكن لأن الأخلاق كانت حاضرة، والاحترام كان أساساً للتعامل، وكان الشاب يعرف أن الشهامة ليست في الصوت المرتفع أو الاستعراض، وإنما في حسن الخلق وغض البصر ومساعدة الآخرين وصون كرامتهم.

كان الناس يعرف بعضهم بعضاً، وتجمعهم المودة قبل المصالح، والجيرة قبل الحسابات، وكانت العلاقات الإنسانية أكثر بساطة ودفئاً.

نتذكر الجيران الذين يسألون عن بعضهم، ويتفقدون أحوال بعضهم، وتخرج أطباق الطعام من بيت إلى آخر، فتدخل البيوت وهي تحمل معها المحبة والود، وتعود أحياناً بأطباق أخرى تحمل المعنى نفسه، وكأن البيوت كلها بيت واحد، والفرح لا يكتمل إلا إذا شارك فيه الآخرون.

نتمنى أن تعود مصر إلى مجتمع صالح كما كانت في أزمنة كثيرة مضت، مجتمع يرحم فيه الناس بعضهم بعضاً، ويحرص كل إنسان على ألا يكون سبباً في تعاسة غيره، أو مصدراً للخوف والقلق في محيطه.

نريد أن تعود الرحمة إلى تفاصيل حياتنا اليومية، وأن يصبح احترام الآخرين سلوكاً طبيعياً لا أمراً استثنائياً، وأن نرى الأخلاق حاضرة في البيوت والشوارع والمدارس والنوادي ووسائل المواصلات، وفي كل مكان يجمع المصريين.

نحتاج إلى أن يتعلم الأبناء منذ الصغر أن الشارع ليس ملكاً لأحد، وأن المدرسة ليست مكاناً للتعلم فقط، وأن النادي ووسائل المواصلات والأماكن العامة مساحات مشتركة يجب أن نحافظ عليها جميعاً، فإذا تغيرت هذه التفاصيل الصغيرة، تغيرت معها صورة المجتمع كله، وعادت الأخلاق لتكون سلوكاً نمارسه يومياً، لا مجرد كلمات نتحدث عنها عندما نفتقدها.

لقد اندثرت بعض هذه القيم الجميلة، أو أصبح وجودها محدوداً للغاية، وأصبحنا نرى أحياناً القبح طاغياً على الجمال، بينما تراجع أصحاب الأخلاق إلى الخلف، وكأن الجمال لا يجد دائماً المساحة الكافية ليظهر وسط مظاهر القسوة والتعالي وسوء التعامل.

ومع ذلك، لا يزال الخير موجوداً، ولا يزال في المجتمع المصري كثير من أصحاب المروءة والأخلاق، لكننا نحتاج إلى أن يصبح هذا الخير هو القاعدة، لا الاستثناء.

ونتمنى أيضاً أن تتغير بعض السلوكيات التي فرضها الزمن الجديد، فزمان لم تكن الأموال وحدها معياراً لقيمة الإنسان، ولم يكن التعبير عن امتلاك المال يتم بهذه الفجاجة التي نراها أحياناً.

كان الغني أو صاحب المال أكثر تواضعاً، يجلس مع الفقير ويتعامل معه باعتباره إنساناً له كرامته ومكانته، ولا يتعالى عليه أو يتباهى أمامه بما يملك.

أما اليوم، فقد أصبحت هناك لدى البعض معايير مختلفة، يظهر فيها المال بصورة مبالغ فيها، وقد يتحول أحياناً من نعمة إلى وسيلة للتعالي على الآخرين، وهو ما نراه في بعض المناطق السكنية الجديدة والمجمعات السكنية، حيث تظهر مظاهر الثراء بصورة صارخة، وقد تتزامن في بعض الحالات مع سلوكيات مرفوضة، مثل الاعتداء على الفتيات أو تعاطي الكحوليات والمخدرات أو التعامل مع الآخرين باستعلاء.

وبالطبع، هذا الأمر لا ينطبق على الجميع، فهناك الكثير من أصحاب المال الذين يتمتعون بالأخلاق والتواضع ويحترمون الناس جميعاً، وإنما الحديث هنا عن بعض السلوكيات التي أصبحت أكثر وضوحاً في مجتمعنا، وأثرت في نظرة البعض إلى المال وأصحابه، حتى أصبح الثراء عند البعض مرتبطاً بالتعالي والغرور بدلاً من أن يكون وسيلة للخير ومساعدة الآخرين.

نريد مجتمعاً تعود فيه الأصول، وتسود فيه الأخلاق والمبادئ والقيم الجميلة، مجتمعاً يعرف فيه الإنسان أن احترام الآخرين لا يرتبط بمكانتهم أو أموالهم أو وظائفهم، وإنما بكونهم بشراً لهم حقوقهم وكرامتهم، وأن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس بما يملك، وإنما بما يقدمه وما يتركه من أثر طيب في حياة من حوله.

والتربية تأتي في المقام الأول، لأننا حين نربي أبناءنا فإننا لا نبني أسرة فقط، وإنما نبني أجيالاً جديدة ستشكل ملامح المجتمع في المستقبل. وكذلك فإن تعليم الأجيال الحالية وتوجيهها وتقويم سلوكها ليس عيباً، بل هو ضرورة، فالإنسان يمكنه أن يراجع نفسه ويغير من سلوكه مهما كان عمره، وتغيير السلوك وتقويم النفس من أعظم الأمور التي يمكن أن تجعلنا مجتمعاً أكثر صلاحاً وأخلاقاً ورحمة.

نريد أن تعود مصر التي نحبها، مصر التي كان فيها للجار مكان، وللكلمة قيمة، وللشهامة معنى، وللرحمة حضور، وللأخلاق هيبة.

نريد أن نستعيد من الزمن الجميل أجمل ما فيه، لا أن نعيش في الماضي، فالمطلوب ليس العودة إلى الوراء، وإنما استعادة القيم الجميلة ونحن نمضي إلى الأمام.

فالتقدم الحقيقي ليس في المباني الشاهقة والطرق الحديثة والتكنولوجيا وحدها، وإنما في الإنسان أيضاً، وفي أخلاقه وسلوكه وطريقة تعامله مع غيره.

وإذا استطعنا أن نجمع بين تطور العصر وروح الزمن الجميل، وبين الحداثة والأخلاق، وبين سرعة الحياة والرحمة، فسوف نقترب أكثر من مصر التي نحلم بها ونتمناها.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *