تمهيد:-
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
١ـ رسالة الكاتب للقارئ
جاء كريستيان دوبوست، وريث مدرسة لوفان البلجيكية في علم الإجرام، ليقول للقارئ إن القانون وحده لا يكفي لفهم الإنسان الذي أخطأ، فخلف كل نص جزائي جاف تقبع قصة نفس مضطربة، وخلف كل عقوبة تصدر يقف قاضٍ يحتاج أن يفهم لا أن يكتفي بالتصنيف، ورسالته أن التفكير في الجريمة يجب أن يبقى دوماً حذراً من الاختزال، فلا الحتمية البيولوجية تفسر كل شيء، ولا الظرف الاجتماعي وحده يبرئ أو يدين، بل الإنسان معادلة أكثر تعقيداً من أن تُختصر في سطر واحد.
٢ـ الأفكار القائمة عليها الكتاب
يقوم الكتاب، وهو مجموعة نصوص مختارة جمعها تلميذاه كريستوف آدم وفرانسواز دينيف، على فكرة أن علم الإجرام الإكلينيكي لا ينبغي أن يكون تابعاً صامتاً للقانون الجنائي، بل شريكاً نقدياً له، يراقب كيف تُصنع القوانين وكيف تُطبق، ويفحص بدقة أشكال ما يسميه المؤلف “السلوكيات المشكلة” بكل تنوعها، ويؤسس دوبوست رؤيته على أخلاقيات تحترم الإنسان في المجرم قبل أن تراه في الجريمة، رافضاً أن تتحول دراسة الخطورة الإجرامية إلى ما وصفه بـ”الداء الطفولي” الذي يصيب علم الإجرام حين يتعجل الأحكام.
٣ـ بعد القراءة التحليلة للكتاب يمكن أن نحدد أهم النقاط التي استندا عليها الكاتب وهي أن:-
فهم الجريمة يستوجب النظر إليها من زوايا متعددة متكاملة لا من زاوية واحدة مختزلة، وأن العدالة الجزائية والفوارق الاجتماعية وجهان لعملة واحدة لا ينبغي فصلهما عند دراسة الانحراف، وأن النموذج السلوكي المستمد من علم دراسة السلوك الحيواني يمنح تفسيراً مفيداً لآليات معرفية أعمق مما تبدو عليه، وأن القاضي والمعالج الإكلينيكي كليهما مطالب بمراجعة يقينياته باستمرار بدلاً من الركون إلى أحكام جاهزة، وأن السجن والعقاب لا يجب أن يُنظر إليهما بمعزل عن سياقهما التاريخي والفلسفي.
٤ـ الفئة التي يستهدفها المؤلف من خلال كتابه:-
يتوجه الكتاب أساساً إلى الأكاديميين والباحثين في علم الإجرام الإكلينيكي، وإلى القضاة والمحامين الراغبين في تعميق فهمهم لأبعاد السلوك الإجرامي خارج الإطار الإجرائي الصرف، كما يخاطب طلبة الدراسات العليا في علم النفس والقانون الجنائي، ولا يغفل القارئ العام المهتم بفلسفة العقاب وأسئلة العدالة الاجتماعية في زمن يتزايد فيه التركيز على الجريمة على حساب أسئلة الإنصاف.
٥ـ أما عن نقاط القوة والضعف في الكتاب فقد أشار الكاتب إلي:-
تكمن قوة الكتاب في كونه ثمرة مسيرة فكرية امتدت عقوداً، جمعها تلميذان مخلصان بعناية ودقة، فجاءت النصوص متنوعة تجمع بين النظري والسريري دون أن تفقد تماسكها، كما يمتاز بجرأته في نقد التسرع نحو مفاهيم مثل “الخطورة الإجرامية”، غير أن طبيعته كمختارات نصوص متفرقة تجعل القارئ غير المتخصص يحتاج جهداً إضافياً لربط الخيوط بين الفصول، فضلاً عن أن بعض المفاهيم النظرية المستعارة من علم السلوك الحيواني قد تبدو بعيدة عن التطبيق المباشر لمن يبحث عن إجابات عملية سريعة.
٦ـ ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:-
يستحق مفهوم “الخطورة” الذي وصفه دوبوست بالداء الطفولي لعلم الإجرام وقفة نقدية، إذ لا تزال السياسات الجنائية في مجتمعات كثيرة تُبنى عليه رغم تحذيره منه قبل عقود، كما يثير استعارته للنموذج السلوكي من علم دراسة الحيوان تساؤلاً مشروعاً عن حدود تطبيق أدوات بيولوجية على ظاهرة إنسانية شديدة التعقيد كالجريمة، وهو جدل لا يزال مفتوحاً بين أنصار التفسير البيولوجي وأنصار التفسير الاجتماعي الصرف حتى اليوم.
الكلمة الأخيرة
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب:-
العنوان: “مقالات في علم الإجرام الإكلينيكي، بين علم النفس والعدالة الجزائية” “Essais de criminologie clinique. Entre psychologie et justice pénale”
المؤلف: كريستيان دوبوست
دار النشر: Larcier
بلد النشر: بلجيكا
الطبعة: ضمن سلسلة Crimen
سنة النشر: ٢٠٠٩
عدد الصفحات: ٤٥٥ صفحة
ISBN: 978-2-8044-2144-1







