ما هو الاهم خدمه نفسي ومصلحتي ام خدمه الاخرين

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال وبعض الأسئلة تظل حاضرة مهما تغيرت الأزمنة لأن الإنسان يعود إليها كلما حاول فهم نفسه وعلاقته بالآخرين وهذا الكتاب يبدأ من سؤال يبدو بسيطًا لكنه يحمل داخله مشكلة فلسفية واجتماعية عميقة وهي كيف يستطيع الإنسان أن يحكم على أفعاله وأفعال الآخرين وكيف يمكن لمجتمع مليء بالأفراد الذين يسعون إلى مصالحهم الخاصة أن يحافظ في الوقت نفسه على قدر من التعاطف والعدل والنظام وقد نشر آدم سميث كتابه لأول مرة سنة 1759 قبل أن ينشر كتابه الأشهر عن الثروة بسبعة عشر عامًا وكان يرى أن فهم الإنسان الأخلاقي ضروري لفهم المجتمع نفسه.

وهذه القراءة ليست اختصارًا للكتاب أو بديلًا عن قراءته وإنما محاولة لإعادة تقديم أهم أفكاره وتحليلها وربطها بالأسئلة التي ما زالت تشغل المجتمعات حول المصلحة الشخصية والتعاطف والعدالة والسلوك الاجتماعي وكيف يستطيع الإنسان أن يعيش مع الآخرين دون أن تتحول رغباته الخاصة إلى صراع دائم

التعاطف هو نقطة البداية

يبدأ سميث من فكرة أن الإنسان يستطيع أن يشعر بما يمر به شخص آخر حتى لو لم يعش التجربة نفسها فمشاهدة الألم أو الفرح أو الخوف يمكن أن تثير داخل الإنسان تصورًا عن شعور الطرف الآخر وهذا الميل إلى مشاركة المشاعر أو تخيلها يصبح أحد الأسس التي يبني عليها سميث تفسيره للحياة الأخلاقية

الإنسان يراقب نفسه من الخارج

لا يكتفي الإنسان بمراقبة الآخرين وإنما يستطيع أن ينظر إلى نفسه وكأنه شخص آخر فيتخيل كيف تبدو أفعاله أمام الآخرين ويبدأ في تقييم سلوكه من خلال هذا المنظور وهذه القدرة تجعل الإنسان قادرًا على مراجعة نفسه بدل أن يظل أسيرًا لرغباته اللحظية

المتفرج المحايد

يقدم سميث واحدة من أشهر أفكاره من خلال شخصية المتفرج المحايد وهو تصور ذهني يستخدمه الإنسان للحكم على تصرفاته فبدل أن يسأل نفسه فقط عما يريده يستطيع أن يسأل كيف سيبدو هذا التصرف أمام شخص لا يعرف مصالحه الخاصة ولا يتأثر بانفعالاته وهكذا يصبح المتفرج المحايد أداة داخلية لمراجعة السلوك

المصلحة الشخصية ليست أنانية مطلقة

لا يرى سميث أن اهتمام الإنسان بمصلحته الخاصة يعني بالضرورة أنه شخص أناني لا يهتم بالآخرين فالمشكلة ليست في وجود المصلحة الشخصية وإنما في الطريقة التي يوازن بها الإنسان بينها وبين حقوق ومصالح الآخرين وهذا التفريق مهم جدًا لفهم أفكار سميث الاقتصادية اللاحقة

المجتمع يحتاج إلى التعاطف

لا يستطيع المجتمع أن يقوم على القوة والقوانين وحدها لأن العلاقات اليومية تحتاج إلى قدر من التفاهم والتعاطف فالإنسان يريد أن يشعر بأن الآخرين يفهمونه ويحترمون مشاعره ولذلك تصبح القدرة على مشاركة الآخرين مشاعرهم عنصرًا مهمًا في استمرار الحياة الاجتماعية

البحث عن الاستحسان

يميل الإنسان إلى البحث عن تقدير الآخرين لأنه لا يريد فقط الحصول على الأشياء وإنما يريد أن يشعر بأن أفعاله مقبولة وجديرة بالاحترام ولهذا يصبح السلوك الاجتماعي مرتبطًا بصورة الإنسان أمام الآخرين وبالمكانة التي يكتسبها من خلال أفعاله

الخوف من الرفض

يقابل الرغبة في الاستحسان خوف من الرفض الاجتماعي فالإنسان قد يتجنب بعض التصرفات ليس لأنه لا يرغب فيها وإنما لأنه يعرف أنها ستجعله موضع استنكار من الآخرين وهنا تتحول نظرة المجتمع إلى قوة تؤثر في السلوك حتى من دون وجود عقوبة قانونية

العادات تشكل أحكامنا

يرى سميث أن الأحكام الأخلاقية لا تتكون في فراغ فالعادات والتقاليد والظروف الاجتماعية تؤثر في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى السلوك نفسه ولذلك يمكن أن تختلف بعض الأحكام من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى آخر رغم وجود مبادئ عامة مشتركة

العدالة تختلف عن الفضيلة

يفرق سميث بين العدالة وبعض الفضائل الأخرى فالعدالة ترتبط بصورة أكبر بمنع الضرر عن الآخرين ولذلك يستطيع المجتمع وضع قواعد وقوانين لحمايتها بينما توجد أفعال فاضلة كثيرة لا يمكن إجبار الإنسان عليها بالقوة لأن قيمتها تعتمد على أن يقوم بها طوعًا

العدالة ضرورة اجتماعية

تحتل العدالة مكانة خاصة في تصور سميث لأن المجتمع لا يستطيع الاستمرار إذا أصبح الاعتداء على حقوق الآخرين أمرًا عاديًا فالثقة في التعامل والملكية والعلاقات الاجتماعية تحتاج إلى حد أدنى من القواعد التي تمنع الإنسان من الإضرار بالآخرين

الفضيلة تحتاج إلى اختيار

لا يرى سميث أن الإنسان يصبح فاضلًا بمجرد الالتزام بالقانون فالقانون يمكن أن يمنع الجريمة لكنه لا يستطيع إجبار الإنسان على الكرم أو الرحمة أو التضحية ولذلك توجد مساحة واسعة بين ما يجب على الإنسان فعله قانونيًا وما يمكنه فعله أخلاقيًا بإرادته

الثناء ليس دائمًا دليلًا على الفضيلة

ينبه سميث إلى أن الناس قد يخلطون بين أن يكون الإنسان جديرًا بالثناء وأن يحصل بالفعل على الثناء فقد يمدح المجتمع شخصًا لأسباب سطحية وقد يرفض شخصًا يستحق التقدير ولذلك يجب أن يكون الحكم الأخلاقي أعمق من مجرد متابعة رد فعل الجمهور

الإنسان قد يخدع نفسه

أحد الجوانب المهمة في الكتاب هو قدرة الإنسان على تبرير أخطائه لنفسه فالإنسان قد يبحث عن الأسباب التي تجعله يرى نفسه محقًا حتى عندما يكون مخطئًا ولذلك يحتاج إلى منظور خارجي يساعده على اكتشاف انحيازاته ورغباته الشخصية

الثروة تغير نظرة المجتمع

يناقش سميث تأثير المكانة والثروة في الأحكام الاجتماعية فالناس قد ينجذبون إلى أصحاب المكانة والنجاح وقد يمنحونهم احترامًا أكبر مما يستحقون بينما قد ينظرون إلى الفقراء باحتقار أو تجاهل وهذه الملاحظة تكشف جانبًا نقديًا مهمًا في الكتاب تجاه الطريقة التي يربط بها المجتمع بين القيمة الإنسانية والمكانة الاجتماعية

الإعجاب بالأغنياء

يرى سميث أن الإنسان قد يميل إلى الإعجاب بالثروة والسلطة حتى عندما لا تكون مرتبطة بالفضيلة وهذا الميل يمكن أن يؤدي إلى اضطراب في المعايير الأخلاقية لأن الناس قد يخلطون بين النجاح المادي والاستحقاق الأخلاقي

التعاطف لا يعني الموافقة

يمكن للإنسان أن يفهم مشاعر شخص آخر دون أن يوافق على كل ما يفعله وهذا التفريق مهم لأن التعاطف عند سميث لا يعني التخلي عن الحكم الأخلاقي وإنما يعني محاولة فهم موقف الآخر قبل إصدار الحكم عليه

ضبط النفس أساس الفضيلة

يمنح سميث أهمية كبيرة لقدرة الإنسان على التحكم في رغباته وانفعالاته لأن الإنسان الذي يطيع كل رغبة لحظية قد يؤذي نفسه أو الآخرين بينما يستطيع الشخص الأكثر اتزانًا أن يضع رغباته داخل إطار أوسع يأخذ فيه نتائج أفعاله في الاعتبار

المجتمع يصنع الإنسان الأخلاقي

لا يولد الإنسان بكل أحكامه الأخلاقية جاهزة وإنما تتشكل قدرته على تقييم السلوك من خلال علاقاته بالآخرين وتجارب الحياة وردود الفعل التي يتلقاها منذ طفولته وهكذا يصبح المجتمع مدرسة مستمرة يتعلم فيها الإنسان كيف يرى نفسه وكيف يرى الآخرين

الأخلاق تسبق الاقتصاد

تظهر أهمية الكتاب بالنسبة إلى تاريخ الاقتصاد في أنه يضع السلوك الاقتصادي داخل صورة أوسع للإنسان فقبل أن يكون الإنسان منتجًا أو مستهلكًا أو تاجرًا فهو كائن اجتماعي يبحث عن التقدير ويتأثر بالآخرين ويحاول أن يوازن بين مصلحته ومصالح المجتمع وهذه الرؤية تساعد على فهم لماذا لم يكن فكر سميث الاقتصادي منفصلًا عن فلسفته الأخلاقية.

الطريق إلى ثروة الأمم

يمثل الكتاب خلفية فكرية مهمة لكتاب سميث اللاحق عن الاقتصاد لأن الاهتمام بالمصلحة الشخصية لا يظهر عنده باعتباره أنانية مجردة وإنما يأتي داخل تصور أوسع عن الإنسان والمجتمع والعدالة والتفاعل بين الأفراد ولهذا فإن قراءة الكتاب تساعد على فهم أفكار سميث الاقتصادية بصورة أكثر دقة بدل اختزالها في فكرة السوق أو المصلحة الشخصية فقط.

الإنسان بين نفسه والآخرين

المشكلة الأساسية التي يحاول سميث فهمها هي أن الإنسان يعيش في مستويين في الوقت نفسه فهو يمتلك رغبات ومصالح خاصة لكنه يعيش داخل مجتمع يحتاج فيه إلى الاعتراف بحقوق الآخرين ومن هنا تظهر الحاجة إلى آلية داخلية تسمح له بمراقبة نفسه وتعديل سلوكه

المتفرج المحايد والضمير

يصبح المتفرج المحايد في النهاية صورة فلسفية لما يمكن تسميته بالضمير الاجتماعي فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى وجود شخص آخر يراقبه لأن نظرة الآخرين يمكن أن تتحول إلى صوت داخلي يراجعه ويذكره بما يمكن أن يكون عادلًا أو غير عادل

لماذا بقي الكتاب مهمًا؟

قيمة الكتاب تتجاوز كونه عملًا فلسفيًا من القرن الثامن عشر لأنه يناقش قضايا لا تزال حاضرة في علم النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة مثل التعاطف والمكانة الاجتماعية والعدالة وضبط النفس وتأثير المجتمع في الفرد كما أنه يكشف أن الفكر الاقتصادي الكلاسيكي لم يبدأ من الأرقام والأسعار فقط وإنما بدأ أيضًا من سؤال الإنسان وطبيعته وعلاقته بالآخرين.

حقوق النشر

العمل الأصلي المنشور سنة 1759 من الأعمال الواقعة ضمن الملكية العامة وتوجد منه طبعات علمية وإعادة نشر حديثة متعددة وهذه القراءة تلخيص وتحليل لأفكار الكتاب وليست إعادة نشر للنص الأصلي

بطاقة تعريفية

العنوان: The Theory of Moral Sentiments
المؤلف: Adam Smith
الناشر: Penguin Classics
الطبعة المستخدمة: 2010
عدد الصفحات: 528 صفحة
اللغة: الإنجليزية
ISBN-10: 0143105922
ISBN-13: 9780143105923

المجال: الفلسفة الأخلاقية والاقتصاد وتاريخ الفكر الاقتصادي.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *