تخير معاركك بحكمة.. قراءة في كتاب “لا تهتم بصغائر الأمور”

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكامًا نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ماذا يريد الكاتب؟
أجاب ريتشارد كارلسون في كتابه “لا تهتم بصغائر الأمور” عن سؤال يتردد كثيرًا: هل يمكن تحويل العمل إلى متعة؟، بالإثبات حيث يرشدك إلى أنه لا شيء يأتي سهلاً هذه الأيام، فحتى هذه القفزة والتحول نحو الاستمتاع بالعمل لا بد أن تأتي بعد جهد واجتهاد، وهنا يقدم ما يقرب من 100 نصيحة.
لماذا كُتب هذا الكتاب؟
يخبرنا أن الحياة تحتوي على الحلو والمر، النور، والظلام، السعادة والشقاء، هكذا خلقها الله وهكذا أرادها: مليئة بالمتناقضات التي علينا أن نختار منها ما نريد، فنحن متحكمون في حياتنا إلى حد بعيد، أما البكاء بسبب الظلم الواقع علينا وقسوة الحياة علينا فليس من الواقع، ولا الإرادة الإنسانية القوية في شيء، وما يحدد حياتنا هو أولاً نظرتنا لها، فكل شيء حولنا له جانبه المضيء وجانبه المظلم، وحتى نحن هكذا، فليس هناك إنسان خير تماما وإلا كان من الملائكة، ولا إنسان مليء بالشر تماما وإلا كان من الشياطين.
لذا آمن إذن بوجود الجانب المشرق في كل أمر، فإذا آمنت بذلك فابحث عنه كلما واجهتك مشكلة أو عائقا ما، فستجده بالتأكيد، غيّر نظرتك إلى الأفضل والأكثر تفاؤلا، وستجد دائما من الحياة جوانب مشرقة تساند نظرتك تلك وتؤيدها وترسخها لديك.
يلخص هذا الكتاب عدة أمور:
1- لا تهتم بالأمور الصغيرة: شدّد الكاتب كثيراً على هذه النقطة المهمة في كتابهِ، فنصح كل شخص بأن يُركز على حل المشاكل الكبيرة التي تصادفهُ في الحياة بدلاً من أن يتركها تتضخمُ وتتراكم لدرجةٍ تؤثرُ على حياته وتمنعه من الاستمتاع بها ومن رؤية الأشياء الجميلة الموجودة فيها.
2- لا تقل بأنّ الأشخاص الُلطفاء لن ينجحوا: يُفكرُ الإنسان في كثيرٍ من الأحيان بأنّ الشخص الودود واللطيف هو شخصٌ ضعيف وعاجز عن تحقيق أي نجاح أو انتصار في الحياة، وفي هذا الكتاب ينصحُ الكاتب بالتوقف عن التفكير بهذه الطريقة الخاطئة.
3- لا تُقاطع الآخرين أو تُكمل الحديث عنهم: يُنبّه الكاتب إلى ضرورة عدم مقاطعة الآخرين أثناء حديثهم وعدم إكمال الحديث عنهم، وذلك لأنّ هذه العادة تُقلل من قيمة واحترام الشخص الذي قاطعته عن حديثهِ، وكذلك تستهلك منك طاقةً مضاعفة بسبب تفكيرك بشخصين في آنٍ واحد.
4- أخفِ صدقاتكَ: عادةً ما يشعرُ الإنسان براحةٍ كبيرة عندما يُساعد الآخرين ويتصدّق على الأشخاص المحتاجين، لهذا فإنّ الكاتب كثيراً ما ينصحُ من خلال هذا الكتاب على مساعدة الناس وتقديم العون لهم، ولكن بشكلٍ سري وبغرض حب العطاء، دون أن ينتظر أي مقابل على أفعالهِ الخيرية.
5- تعلّم كيف تعيش في الحاضر: لكي تنجح في العيش بأمانٍ وسكينة عليك أن تتعلّم كيف تعيش الحاضر بكل تفاصيلهِ وأحداثهِ، دون أن تُفكر بكل الماضي ومشاكلهِ، ودون أن تُركّز بشكلٍ مبالغ على المستقبل، وذلك لكي تُخفف قدر المستطاع من مشاعر القلق والضيق الذي قد ينتابك.
6- قد يكون الملل مفيداً: يحتاج الإنسان في بعض الأحيان إلى الشعور بشيء من الملل الذي يمنحُ العقل شعوراً بالاسترخاء والراحة التي تجعلهُ يعودُ إلى العمل والتفكير بطريقةٍ أقوى بكثير من ذي قبل، لذا تذكّر دائمًا إنّ الحياة ما هي إلا اختيار.

لمن يناسب هذا الكتاب؟
يناسب الكتاب الأشخاص الذين يعانون من الصراع الداخلي، والقلق اليومي، وميلهم لتحليل البيانات الصغيرة التي يتلقونها على حياتهم.

مميزات الكتاب:
يمتز الكتاب بكونه دليلاً عملياً ومبسّطاً يهدف إلى حماية السلام النفسي والقليل من الموارد الغذائية التي تنتج عن ملاحقة تفاصيل الحياة المعقدة.
قراءة صحفية… نواجه جميعًا متاعب في العمل، فهي متاعب مكررة، تمثل جزءا من المهنة، ولا تخصنا وحدنا، وكونها متوقعة يجب أن يجعلها عادية بالنسبة لنا، ومعنى ذلك ألا ننفعل بها كثيرا، ولكن ما يحدث في أرض الواقع هو أن كثيرين منا تتوتر أعصابهم في كل مرة يواجهون فيها المشكلة نفسها، والأسوأ أنهم يتوترون حتى قبل حدوث المشكلة، لمجرد توقعهم لها، فإذا صحت توقعاتهم تلك، فمعنى ذلك أنهم حملوا العبء والهم قبل بدء المشكلة، أي لفترة طويلة دون داع، فإذا كانت المشكلة ستحدث لا محالة، فلا جدوى إذن من حمل همومها قبل وبعد حدوثها.
أخيرًا.. كثير من الناس يخلطون بين الكآبة والجدية، وبين الهزل والسعادة، فالإنسان السعيد في نظرهم هو من لا يحمل همًّا، لأنه إنسان غير مسئول، ولا يعمل عملا جادًا، أما الإنسان الذي لا يتنصل من مسئولياته فهو الجاد الذي يحمل هموم الدنيا كلها – وليس العمل فقط – على أكتافه، فأصبحت الكآبة رمزًا لأمر إيجابي، ودلّت السعادة على أمر سلبي، ومن هنا أصبح الناس ينفرون من السعادة؛ لأنها تمنح الآخرين انطباعًا خاطئًا عنهم.
لكن لأن الإيحاء الذاتي له تأثير قوي فستجد نفسك – إن كنت من المؤمنين بما سبق- مكتئبا حقا، وهذا الاكتئاب لن يدفعك للأمام في عملك؛ لكي تكتمل الصورة، وإنما سيكون له تأثيره السلبي تماما على عملك وعلى غيره؛ لذا افهم السعادة بمفهومها الصحيح، وتأكد من أنها تدفع للأمام وتقودك على طريق النجاح، ليس في العمل فقط، بل في كل شأن من شئون حياتك، ثم حاول أن تبحث عن مصادرها، وأن تقتنصها قنصا، وثق أن السعادة تزداد كلما اقتربت منها، وتقل كلما نفرت وهربت منها.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية للكتاب
العنوان: لا تهتم بصغائر الأمور
المؤلف: ريتشارد كارلسون
دار النشر: إصدارات جرير
بلد النشر: السعودية
الطبعة: العربية
سنة النشر: 1998
عدد الصفحات: 383
رقم الإيداع: غير متوافر
ISBN: 9960282201

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *