لا ريب في حب المصريين للمحروسة، ولا شك كذلك في أنهم يريدونها أن تكون «قد الدنيا»، فالأحلام لا مدى لها ولا نهاية، وطموحات الشعوب لا تتوقف عند حد، وكل مصري يحلم بمصر الجميلة في كافة الأشياء، مصر التي تليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها، وتليق كذلك بأبنائها الذين ارتبطوا بها ارتباطًا لا ينفصل عن تفاصيل حياتهم.
كل مصري يحلم بمصر أفضل، تبدأ فيها مظاهر الجمال من الإنسان نفسه، من أخلاقه وسلوكياته وطريقة تعامله مع غيره، وتنتقل من الفرد إلى الشارع والمكان، فنرى النظافة عنوانًا، والنظام سلوكًا، والاحترام لغة تجمع الناس، والحفاظ على الممتلكات العامة ثقافة راسخة وليست مجرد تعليمات.
فمصر الجميلة ليست فقط في مبانيها ومشروعاتها وشوارعها، وإنما في سلوك أبنائها، وفي الطريقة التي يتعامل بها كل منا مع وطنه ومع من حوله.
نحلم بمصر التي يكون فيها الجمال حاضرًا في كل التفاصيل، في الشوارع والميادين، في الحدائق والأماكن العامة، وفي واجهات المباني، وفي طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض.
نريدها دولة تحافظ على بيئتها، وتمنح أبناءها أماكن تليق بهم، وتزرع في الأجيال الجديدة ثقافة الحفاظ على كل ما هو جميل، لأن ما نبنيه اليوم ليس لنا وحدنا، وإنما للأبناء والأحفاد من بعدنا.
والشعب يتمناها ذات ألوان مبهجة، معبرة عن التاريخ والحضارة، بمستقبل مرتبط بماضٍ نفخر به، فمصر ليست دولة وليدة بلا جذور، وإنما دولة تمتد جذورها في أعماق التاريخ، وتملك من الحضارة والثقافة ما يجعلها قادرة على أن تجمع بين عراقة الماضي وطموح المستقبل.
نريد أن نرى هذا التاريخ حاضرًا في تفاصيل حياتنا، وأن تكون الحضارة المصرية مصدر إلهام لنا في البناء والتطوير، لا مجرد صفحات نقرأها أو آثارًا نزورها.
نريد مصر التي تنظر إلى المستقبل دون أن تنسى ماضيها، وتستفيد من تاريخها دون أن تعيش فيه، فالحضارة الحقيقية ليست فقط أن نفتخر بما صنعه الأجداد، وإنما أن يترك كل جيل بصمته، وأن يضيف شيئًا جديدًا يفتخر به من يأتي بعده.
وبعد فترات عصيبة مرت بها البلد، حلم الشعب وتحقق جزء كبير من أحلامه بمشروعات عملاقة ومدن جديدة وطرق آمنة ومتطورة، ونقل ذكي، ومشروعات صناعية وتجارية وعقارية، وزيادة في الإنتاج والتصدير، وغيرها من المشروعات التي غيرت شكل مناطق كثيرة وفتحت مجالات جديدة للعمل والاستثمار.
وهذه المشروعات وغيرها تؤكد أن البناء يحتاج إلى وقت وجهد، وأن ما يتم إنجازه اليوم هو خطوة في طريق طويل نحو مستقبل أفضل.
فالدول لا تبنى في يوم وليلة، وإنما تبنى بالمشروعات والعمل والتخطيط والصبر، وبقدرة أبنائها على استكمال ما بدأه السابقون، وإضافة المزيد من الإنجازات.
لكن مصر التي نتمناها لا يجب أن تكون فقط مصر المشروعات والطرق والمدن الجديدة، وإنما مصر الإنسان أيضًا، لأن الإنسان هو أساس كل تقدم، وهو المستفيد الأول من أي عملية تنمية، وهو في الوقت نفسه القادر على الحفاظ عليها واستكمالها، فالمشروع مهما كان حجمه لن يحقق أهدافه كاملة إذا لم يصاحبه إنسان واعٍ يعرف قيمة ما يتم إنجازه ويحافظ عليه.
تبنى مصر بسواعد أبنائها الذين لا يألون جهدًا في جعلها أفضل دولة في العالم، ولا يبخلون بقطرة عرق ولا بجهد، فكل يد تعمل هي لبنة في بناء الوطن، وكل فكرة مخلصة يمكن أن تصنع فارقًا، وكل شاب يسعى إلى النجاح هو إضافة حقيقية لمستقبل البلاد.
من العامل في مصنعه، إلى الفلاح في أرضه، والطبيب في مستشفاه، والمعلم في مدرسته، والمهندس في موقعه، والموظف في مكان عمله، وصاحب المشروع الذي يسعى إلى تطويره، والشاب الذي يتعلم مهارة جديدة حتى يجد لنفسه مكانًا في سوق العمل، الجميع شركاء في بناء مصر، وكل منهم يؤدي جزءًا من المهمة الكبيرة.
والعمل الجماعي يساهم في النهوض بالبلاد، وعندما تعمل القطاعات والهيئات والمؤسسات على قلب واحد، وتتعاون فيما بينها، وتتكامل الأدوار، تكون النتيجة أفضل ويعود ذلك بالنفع على مصر، فنجاح قطاع واحد لا يكفي، وإنما النجاح الحقيقي عندما تتحرك قطاعات الدولة والمجتمع في اتجاه واحد، ويشعر الجميع أن الهدف النهائي هو مصلحة الوطن والمواطن.
مصر التي نتمناها هي التي يصبح فيها التعليم أساسًا للتقدم، والصناعة قوة للاقتصاد، والزراعة مصدرًا للإنتاج، والسياحة نافذة على العالم، والثقافة عنوانًا للوعي، والرياضة مساحة لاكتشاف المواهب، والتكنولوجيا طريقًا لمواكبة العصر. نريد دولة تستثمر في الإنسان قبل أي شيء، وتمنح الشباب فرصة حقيقية للعمل والإبداع وتحقيق أحلامهم.
ونريد كذلك مجتمعًا يعرف قيمة الوقت والعمل، فلا يكون النجاح فيه مرتبطًا بالحظ أو العلاقات، وإنما بالاجتهاد والكفاءة والقدرة على الإنجاز، مجتمعًا يحترم القانون، ويقدر العمل، ويشجع الناجح، ويساند من يحاول، ويمنح كل إنسان الفرصة التي يستحقها.
كما نريد مصر التي يحافظ أبناؤها على صورتها أمام العالم، فالمواطن هو سفير لبلده في كل مكان، وتصرفه يعكس جزءًا من صورة وطنه. ومن هنا تأتي أهمية الأخلاق والسلوك والوعي، لأن تقدم الدول لا يقاس فقط بعدد المشروعات وحجم الاستثمارات، وإنما يقاس أيضًا بمدى تحضر شعوبها وقدرتها على احترام بعضها البعض واحترام المكان الذي تعيش فيه.
مصر التي نتمناها لا تعني أننا نبحث عن دولة بلا مشكلات، فهذا أمر غير موجود، وإنما نريد دولة تواجه مشكلاتها بجدية، وتبحث عن حلول لها، وتتعلم من أخطائها، وتستفيد من تجاربها، وتواصل طريقها دون توقف. فكل دولة لديها تحديات، لكن الفارق الحقيقي يكون في القدرة على التعامل معها وتحويلها إلى فرص جديدة.
وحين يصبح «نحن» أقوى من «أنا»، وحين يضع الجميع مصلحة مصر نصب أعينهم، ويعلون المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، ويعمل كل منا في موقعه بإخلاص، عندها يمكن أن تتحول الأحلام إلى واقع، والطموحات إلى إنجازات، والأمنيات إلى خطوات حقيقية على الأرض.
فمصر التي نتمناها لن يصنعها شخص واحد، ولن تبنيها مؤسسة واحدة، وإنما يصنعها الجميع، كل في موقعه، وكل بما يستطيع. نريد أن يشعر كل مصري أن له دورًا مهما كان بسيطًا، وأن قطرة العرق التي يبذلها، والفكرة التي يقدمها، والعمل الذي يؤديه بإخلاص، كلها أشياء تتجمع في النهاية لتصنع صورة أكبر اسمها مصر.
هه هي مصر التي نتمناها.. مصر التي تليق بتاريخها، وتحترم حاضرها، وتستعد لمستقبلها، مصر التي يفتخر بها أبناؤها، ويفخر بها كل من ينتمي إليها، مصر القوية والآمنة والمنتجة والجميلة، مصر التي نبنيها معًا، ونحلم بها معًا، ونعمل من أجل أن تكون دائمًا كما نريدها: قد الدنيا.







