قراءة في كتاب قاعدة الثواني الخمس — ميل روبنز

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

يقوم الكتاب على فكرة بسيطة جدا، لكنها مصممة لتغيير طريقة تعامل الإنسان مع التردد والتسويف والقرارات اليومية، الفكرة الأساسية هي أن الإنسان عندما يعرف أنه يريد القيام بشيء مفيد، غالبا ما يبدأ عقله في اختراع أسباب للتأجيل: سأفعلها بعد قليل، ليس الوقت مناسبا، أحتاج إلى أن أستعد أكثر، ومع مرور الوقت يتحول القرار إلى مجرد نية لا تتحول إلى فعل.

تقترح روبنز طريقة قصيرة لمقاطعة هذه الدائرة: عندما تعرف أنك تحتاج إلى القيام بشيء، عد تنازليا من خمسة إلى واحد، ثم تحرك فورا، الرقم نفسه ليس سحرا، وإنما أهميته في أنه يمنح الإنسان لحظة قصيرة يفصل فيها بين ظهور الفكرة وبين تدخل العقل في إنتاج الأعذار.

تنبع الفكرة من ملاحظة مهمة: كثير من القرارات التي تغير حياتنا لا تبدأ بخطة ضخمة، وإنما بلحظة صغيرة جدا نقرر فيها هل سنقوم بالفعل أم لا، الاستيقاظ من السرير، بدء ممارسة الرياضة، إرسال رسالة مهمة، إجراء مكالمة، البدء في العمل، أو التحدث في اجتماع، كلها أفعال قد تبدو بسيطة، لكن المشكلة غالبا ليست في معرفة ما يجب فعله، وإنما في البدء.

ترى روبنز أن الإنسان لا ينبغي أن ينتظر دائما الشعور بالحماس حتى يتحرك، هذه نقطة مركزية في الكتاب، لأن انتظار الدافع قد يجعلنا عالقين، في كثير من الأحيان يأتي الشعور بالحماس بعد الفعل وليس قبله، عندما يبدأ الإنسان بالتحرك، حتى بخطوة صغيرة، يصبح من الأسهل الاستمرار.

ولهذا فإن قاعدة الثواني الخمس ليست في حقيقتها طريقة لإدارة الوقت بقدر ما هي طريقة لإدارة السلوك في لحظة التردد، فهي تحاول نقل الإنسان من التفكير إلى الفعل قبل أن تتحول الفكرة إلى نقاش داخلي طويل.

ومن أكثر الأفكار التي يركز عليها الكتاب أن عقل الإنسان يستطيع أن يكون مقنعا جدا عندما يريد تأجيل شيء، قد تكون لديك كل الأسباب التي تجعلك تمارس الرياضة، لكن بمجرد أن يحين موعدها يبدأ العقل في التفاوض: اليوم متعب، غدا سأتمرن بشكل أفضل، ساعة واحدة لن تغير شيئا، المشكلة أن هذه الحجج قد تبدو منطقية، لكنها في النهاية تؤدي إلى النتيجة نفسها: عدم الفعل.

هنا يأتي العد التنازلي، عندما تقول لنفسك “5، 4، 3، 2، 1” ثم تتحرك، فأنت لا تحاول إقناع نفسك بعشرات الحجج، بل تقطع الحوار قبل أن يسيطر عليك، ومن هذه الزاوية تصبح القاعدة وسيلة لتكوين استجابة جديدة تجاه التردد.

وتستخدم روبنز هذه الفكرة في مجالات متعددة، يمكن استخدامها عند الاستيقاظ بدل الضغط على زر الغفوة، وعند الرغبة في بدء مهمة مؤجلة، وعند الحاجة إلى التحدث أمام الآخرين، أو عندما تعرف أنك بحاجة إلى اتخاذ قرار لكنك تستمر في تأجيله.

لكن الأهم أن الكتاب لا يطلب من الإنسان تغيير حياته كلها في يوم واحد، التغيير يبدأ من اللحظات الصغيرة المتكررة، إذا اعتاد الشخص أن يتحرك بدلا من التأجيل في عشرات المواقف اليومية، فإن الصورة الأكبر لحياته يمكن أن تبدأ في التغير.

ويرتبط ذلك بمفهوم الثقة بالنفس، فالإنسان لا يبني ثقته بنفسه فقط من خلال التفكير الإيجابي، وإنما أيضا من خلال إثبات قدرته على تنفيذ ما يقول إنه سيفعله، عندما تقول لنفسك إنك ستبدأ ثم تبدأ بالفعل، فأنت تبني علاقة مختلفة مع نفسك، أما عندما تكرر الوعود ثم تؤجلها، فقد يبدأ داخلك في فقدان الثقة بقدرتك على تنفيذ قراراتك.

لذلك يمكن النظر إلى قاعدة الثواني الخمس باعتبارها تدريبا على الوفاء بالقرار الشخصي، أنت لا تنتظر أن تصبح شخصا منضبطا حتى تبدأ التصرف بانضباط، بل تبدأ بالسلوك المنضبط، ومع تكراره يتشكل لديك شعور أكبر بالقدرة.

ومن الأفكار المهمة أيضًا أن الخوف والتوتر لا يعنيان دائمًا أن القرار خاطئ، أحيانا يكون الخوف مجرد علامة على أن الإنسان يخرج من منطقة الراحة، شخص يريد التقدم في عمله لكنه يخاف من طلب فرصة جديدة، أو يريد بناء علاقات اجتماعية لكنه يتردد في بدء الحديث، أو يريد إطلاق مشروع لكنه يخشى الفشل، في هذه الحالات قد يكون أكبر عائق هو انتظار اختفاء الخوف قبل التصرف.

الكتاب يدفع القارئ إلى تجربة فكرة مختلفة: يمكنك أن تشعر بالخوف وتتحرك في الوقت نفسه، الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على القيام بما تراه صحيحا رغم وجوده.

وهنا تظهر قيمة القاعدة في مواجهة التسويف، فالتسويف غالبا لا يكون قرارا واعيا بأن لن أفعل، وإنما سلسلة من التأجيلات الصغيرة، خمس دقائق تتحول إلى ساعة، واليوم يتحول إلى أسبوع، والفكرة تتحول إلى مشروع لم يبدأ أصلا، قاعدة الثواني الخمس تحاول كسر هذه السلسلة عند بدايتها.

ومع ذلك، فإن قراءة الكتاب لا ينبغي أن تجعل القارئ يعتقد أن العد التنازلي قادر وحده على حل كل مشكلة، فهناك مشكلات تحتاج إلى تخطيط، ومعرفة، وعلاج متخصص، أو تغيير ظروف حقيقية، كما أن بعض القرارات لا ينبغي اتخاذها بسرعة، فالقاعدة تصلح بصورة أكبر لبدء الأفعال التي نعرف أصلا أننا نريد القيام بها، وليست دعوة إلى اتخاذ قرارات مصيرية دون تفكير.

وهذه من النقاط التي تستحق المناقشة في الكتاب، قوته تأتي من بساطته، لكن بساطته نفسها قد تجعل بعض القراء يبالغون في تعميمها، الإنسان قد يحتاج أحيانا إلى فهم سبب مقاومته للفعل، وليس فقط إجبار نفسه على الحركة، فإذا كان شخص ما يؤجل دائما بسبب الخوف أو الإرهاق أو ضغط نفسي شديد، فقد يكون السبب أعمق من مجرد نقص الانضباط.

مع ذلك، تبقى قيمة الكتاب الأساسية في أنه يحول مفهوما عاما مثل كن أكثر انضباطا، إلى سلوك محدد يمكن تجربته فورا، بدلا من قول يجب أن أتوقف عن التسويف، يصبح لدى الشخص أداة واضحة: عندما أعرف أن علي أن أبدأ، أعد خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنين، واحد، ثم أبدأ.

ومن الناحية العملية، يمكن استخدام القاعدة بطريقة أكثر ذكاء من مجرد إجبار النفس على إنهاء المهمة كاملة، فإذا كانت أمامك مهمة كبيرة، يمكن أن يكون الهدف هو بدء أول خطوة فقط، افتح الملف، اكتب أول سطر، ارتد ملابس الرياضة، ارفع الهاتف لإجراء المكالمة، أو اجلس أمام المكتب. بمجرد أن يبدأ السلوك، تصبح الخطوة التالية أسهل.

وهذه ربما أهم فكرة يمكن الاحتفاظ بها من الكتاب: لا تحاول دائما أن تشعر بالرغبة في الفعل، ابدأ بالفعل، ثم دع المشاعر تلحق بك.

بعد قراءة الكتاب، يمكن القول إن قوته ليست في اكتشاف قانون نفسي جديد بقدر ما هي في تقديم طريقة سهلة لتطبيق مبدأ معروف في تغيير السلوك: تقليل المسافة بين النية والفعل، فالإنسان قد يعرف جيدا ما يريد، لكن معرفته لا تكفي. ما يغير النتائج هو تحويل المعرفة إلى حركة.

والكتاب مناسب بصورة خاصة لمن يعاني من التسويف، أو يتردد كثيرا، أو ينتظر الحماس قبل البدء، أو يجد صعوبة في اتخاذ الخطوة الأولى، كما يمكن أن يكون مفيدا للطلاب، وأصحاب الأعمال، ومن يعملون من المنزل، وكل شخص لديه أهداف كثيرة لكنه يعاني من مشكلة سأبدأ لاحقا .

أما نقطة الضعف الأساسية فهي أن أسلوب الكتاب قد يبدو تكراريا، لأن المؤلفة تبني الكثير من التطبيقات المختلفة حول قاعدة واحدة، كما أن القاعدة ليست حلا شاملا لكل أشكال التسويف أو المشكلات النفسية، لكنها، كأداة سلوكية بسيطة، تمتلك ميزة مهمة جدا: يمكن تجربتها فورا، ولا تحتاج إلى تجهيزات أو ظروف مثالية.

وفي النهاية، رسالة ميل روبنز ليست أن خمس ثوان ستغير حياتك بطريقة سحرية، وإنما أن هناك لحظة قصيرة بين أن تعرف ما تريد فعله وبين أن تبدأ في اختلاق أسباب لعدم فعله، إذا تعلمت أن تستغل هذه اللحظة لصالحك، فقد تستطيع تغيير عدد كبير من السلوكيات اليومية.

فالفرق بين الشخص الذي يقول سأفعل، والشخص الذي يفعل فعلا قد يبدأ أحيانا من قرار صغير جدا: أن يتوقف عن التفاوض مع نفسه، ويبدأ.

الكلمة الأخيرة

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: قاعدة الثواني الخمس — The 5 Second Rule: Transform Your Life, Work, and Confidence with Everyday Courage

المؤلفة: ميل روبنز — Mel Robbins

دار النشر: Savio Republic

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2017

عدد الصفحات: نحو 240 صفحة، بحسب الطبعة

رقم الإيداع: يختلف حسب الطبعة وبلد النشر

ISBN: 9781682612385

_______________________________________

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *